السر المستودع بفاطمة (عليها السلام)

وردنا سؤال:

ما هو السرّ المستودعُ في السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) الوارد في الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنَّ هذه الفقرة من الدعاء وردت بصِيَغٍ متعدِّدةٍ، أشهرُها: «اللهم إنّي أسألك بحقّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها أن تصلي على محمّد وآل محمد، وأن تفعل بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله، برحمتك يا أرحم الراحمين». أو «إلهي بحقّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها».

وللإجابة عن هذا الفقرة من الدعاء يتطلب النظر لها من جهتين:

الجهة الأولى: في مصدرها:

بعد التتبع في المجاميع الروائية والكتب الأدعية المعتبرة، لم نقف على عين لهذه الفقرة في الأصول والمصادر المتقدمة. نعم، تفرد بنقلها بعض المتأخرين بلسان الإرسال أو الوجادة؛ كالسيد المرعشيّ النجفي (قدس سره) في تعليقته على العروة الوثقى، حيث أسندها لوالده والشيخ الشيرازي عن السيد الكشميري وصولاً للسيد ابن طاووس [1].

والشيخ أحمد الهمدانيّ في كتابه: «فاطمة بهجة المصطفى»، حيث قال: (سمعتُ شيخي ومعتمدي، آية اللّه المرحوم ملّا عليّ المعصوميّ يقول في التوسّل بالزهراء (عليها السلام): تقول خمسمائة وثلاثين مرّة: «إلهي بحقّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها». تُقضى حاجتك إنْ شاء اللّه تعالى» [2].

أقول: إنّ العملَ بمفادِ هذه الفقرةِ داخلٌ في كبرى قاعدةِ التسامحِ في أدلّةِ السُّنن، بناءً على ما تقرّر في محلّه من جريانها في مواردِ ضعفِ الدليل مع عدمِ المعارض.

الجهة الثانية: في مضمونها:

وجدنا في آراء بعض الأعلام المعاصرين عدة تفسيرات، إلّا أنّ أكثرها لا يخلو من مناقشةٍ؛ إذ أغلبها قاصرةٌ في حدّ ذاتها عن إثبات المدّعى؛ لفقدانها الدليل المعتبر الذي يصحّ الركون إليه في مقام الإثبات.

وعليه، فمقتضى الصناعة العلمية هو المصير إلى التوقف عن الجزم بمرادٍ معین؛ لعدم تماميّة المقتضي ووجود المانع عن الاستظهار. نعم، لا يبعد الاستئناس بطائفة من النصوص الواردة في بيان المقام الفاطمي، المشعرة بقصور القوى البشرية عن كنه الإحاطة بحقيقتها (عليها السلام). وتحقيق القول في ذلك يتم عبر مسلكين:

أحدهما: هي موضع سر الله (عز وجل)

ويدل عليه ما استفاض في الجوامع الروائية من كون الحجج (عليهم السلام) موضع سر الله ومستودع علمه، ومن ذلك ما رواه ثقة الإسلام الكليني، والشيخ الصفار، بإسنادهما إلى خيثمة الجعفي قال: قال لي أبوعبد الله (عليه السلام) «يا خيثمة نحن شجرة النبوة .. وموضع سر الله..» [3]، ورواه الصفار بالإسناد إلى خيثمة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «.. وموضع سر الله..» [4].

وجاء في إقبال الأعمال لأبن طاووس والمزار لابن المشهدي في الصلاة والدعاء يوم الغدير «.. وموضع سر الله، وامين الله على خلقه..» [5].

أقول: المراد بموضع سر الله ما أظهره الله تعالى لحججه من العلوم والحقائق وأخفاه عن غيرهم لعدم قدرتهم على معرفة ذلك وعدم اتساع قلوبهم لتحمله كما ورد ذلك في جملة من الأخبار منها: ما رواه الكلينيُّ بالإسناد إلى محمد بن عبد الخالق وأبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا أبا محمد، إنّ عندنا والله سراً من سر الله، وعلماً من علم الله، والله ما يحتمله ملكٌ مقرّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ ولا مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان، والله ما كلف الله ذلك أحداً غيرنا ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا ..» [6].

إنّ الصدّيقة الكبرى (عليها السلام) ركنٌ وثيق من أركان الحجّية الإلهية، وقد تظافرت الأخبار في إثبات هذا المقام السامي لها؛ ومن ذلك ما رواه الشيخ الصدوق بالإسناد إلى أبي حمزة، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «أنا وعليّ وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين حجج الله على خلقه أعداؤنا أعداء الله، وأولياؤنا أولياء الله» [7].

أنّ اندكاك عنوانها (عليها السلام) ضمن هذا النسق المعصومي يُثبت لها رتبةً من الحجّية المطلقة تضارع حجّية الأئمة (عليهم السلام)، وهو مقامٌ يستبطن غيباً وسرّاً يمتنع على الإدراك العامّ الإحاطة بكنهه.

والآخر: أنَّ السر في معرفتها (عليها السلام)

ويدل عليه ما رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره بالإسناد إلى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من عرف قدر فاطمة فقد أدرك ليلة القدر، وانّما سُمّيت فاطمة لأن الخلق فُطموا عن معرفتها»[8].

أقول: المراد أن الناس لا يتمكنون من إدراك حقيقتها (عليها السلام) فإنهم لا يعرفونها تمام المعرفة، وما يعرفونه عنها إنما هو شيء يسير من مناقبها.

ويُستظهر من ذلك ـ بنحو التأييد لا الجزم ـ أنّ السر المستودع فيها، وان كان أمر غيبي لم يتم الكشف عنه من قبلهم (عليهم السلام)، إلا أنه يمكن الاستئناس ببعض النصوص المؤيدة للتوصل إلى احتمالية المراد من «السِّرِّ المستودَع فيها»، بنحوين:

احدهما: هو سر الله الذي حجب عنه الخلق غير حججه ولم يُؤمروا (عليهم السلام) بالكشف عنه؛ لعدم احتماله وفهمه على حقيقته، لنبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقربٌ ولا مؤمنٌ أمتحن الله قلبه بالإيمان، فلا يحتمله أحد غيرهم.

والآخر: هو نفسُ الحقيقة الفاطميّة بما هي مستورةُ الكُنه، ممنوعةُ الإحاطة، فيرجع السِّرّ إلى مرتبةٍ غيبيّةٍ من وجودها الشريف، استأثر الله تعالى بعلمها، ولم يجعل للخلق إليها سبيلًا تامًّا.

والحمد لله رب العالمين

  1. العروة الوثقى والتعليقات عليها ج7 ص440 ↩︎
  2. فاطمة بهجة المصطفى ص252 ↩︎
  3. الكافي ج1 ص329، بصائر الدرجات ج1 ص79. ↩︎
  4. بصائر الدرجات ج1 ص79. ↩︎
  5. إقبال الأعمال ص473، المزار ص321. ↩︎
  6. الكافي ج1 ص402. ↩︎
  7. أمالي الصدوق ص194 ↩︎
  8. تفسير فرات الكوفي ص581. ↩︎
Scroll to Top