نص الشبهة:
يستند القائلون بعدم إمكان العصمة لغير الأنبياء في التبليغ إلى دليلين:
أولاً: إن الإنسان بطبيعته عرضة للخطأ والمعصية، والعصمة لا تتوافق مع إنسانية الإمام، فهو بشر. وبالتالي، يمكن استنتاج أن العصمة غير متوفرة لديهم.
وثانياً: وجود العصمة للإمام التي تمنعه من الخطأ والنسيان، تجعله مجبوراً فيما يقوم به مما ينتهي الأمر به إلى سلب القدرة على المعصية وهذا يؤدي إلى أنه ليس مختاراً.
هل بالإمكان الرد على دعوى المنكرين؟
جواب الشبهة:
بسم الله الرحمن الرحيم
أن متكلمي الإمامية، يتفقون على قدرة الإمام على المعصية لكنه لا يفعلها ولا يصح نسبتها إليه، لعدم وجود الداعي لذلك إذ أنه يعلم بما يترتب عليه من فعلها ثم عدم وجود الداعي لإرتكاب المعصية لا يعني عدم القدرة على إرتكابها، لكن المانع علمه بحقيقة المعصية وما يترتب عليها كما بين ذلك متكلم الإمامية الكبير هشام بن الحكم لمـّا سأله ابن ابي عمير عن صفة العصمة وبأي شيء تعرف؟ فأجابه قائلاً: «أنَّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص والحسد، والغضب، والشهوة، فهذه منفية عنه، فلا يجوز أن يكون حريصا على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه، لأنه خازن المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟ ولا يجوز أن يكون حسودا، لان الانسان إنما يحسد من هو فوقه، وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟ ولا يجوز أن يغضب لشئ من أمور الدنيا، إلا أن يكون غضبه لله عز وجل، فإن الله عز وجل قد فرض عليه إقامة الحدود، وألا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله عز وجل، ولا يجوز أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة، لان الله عز وجل حبب إليه الآخرة كما حبب إلينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيت أحدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح، وطعاما طيبا لطعام مر، وثوبا لينا لثوب خشن، ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟» [1].
قال الشيخ المفيد: (وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشئ الذي يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصيته له، وليس كل الخلق يعلم هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة والأخيار) [2].
وينبغي أنْ تعلم فساد ما ذكره المنكر للعصمة بما يلي:
أما عن (الأول): فيمكن أن يُجاب عنه لوجهين:
أحدهما: أنَّ كون الإمام (عليه السلام) من البشر لا ينفي وجود خصائص فيه، تميزه عن باقي الناس ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق، وهذا يعني أن وجود بعض الخصائص عند الإمام لا يسلب منه الاختيار في القدرة على فعل المعصية.
والآخر: أنه لا توجد ملازمة بين بشرية الإمام وصدور المعصية منه، فإن مجرد كونه متصفاً بالشهوات والغرائز الإنسانية لا يستوجب إقدامه على المعصية.
قال العلامة الطباطبائي: (إن ملكة العصمة لا تغير الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعاله الإرادية ولا تخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار، كيف والعلم من مبادئ الاختيار، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سما قاتلا من حينه، فإنه يمتنع باختياره من شربه) [3].
وأما (الثاني): فيمكن أن يُجاب عنه لوجهين:
الأول: لو كانت العصمة ملازمة للجبر، لما كان هناك أي قيمة لأفعال المعصوم، ولا لثوابه أو عقابه وهذا يبطل التكليف بتركها إذ شرط التكليف بالشيء القدرة على فعله وتركه.
قال العلامة الحلي: (أن العصمة لا تنافي القدرة بل المعصوم قادر على فعل المعصية، وإلا لما استحق المدح على ترك المعصية ولا الثواب،.. وذلك باطل بالإجماع) [4].
والثاني: لو كان المعصوم غير قادر على فعل المعصية لما استحق على ذلك ثوابا، إذ لا مدح لمجبور ولا ثواب لملجأ كما لا يخفى وهذا باطل بالاتفاق.
قال الخواجة الطوسي: (المعصوم قادر على فعل المعصية وإلا .. لبطل الثواب والعقاب في حقه وكان خارجا عن التكليف) [5].
والحمد لله رب العالمين



