الغيبة لا تنافي الغرض من نصب الإمام

نص الشبهة:

جواب الشبهة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أن الغيبة لا يتتنافى مع الحاجة الداعية للحجة كما اُشير إليه في الحديث المشهور لدى الفريقين: «لا تخلو الأرض من حجة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته»، وفي لفظٍ آخر: «لا تخلو الأرض ‌من ‌قائم ‌لله ‌بحجة إما ظاهر مشهور وإما خائف مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيناته فيكم» [1].

ويقع الكلام على هذه الشبهة من جهتين:

الجهة الأولى: وضائف الإمام حال غيبته:

أنَّ وجه الإنتفاع بالإمام في غيبته لا تقتصر على هداية التشريع فقط بل له وظائف آخرى يقوم بها في غيبته نذكر منها –على سبيل المثال-:

١ـ الإمام بقاء الأرض بوجوده:

إن نفس وجوده الشريف لطف يغذّي ديمومة بقاء المجتمع البشري كما اُشير له في الحديث: «لولا الحُجة لساخت الأرض بأهلها»، وما رواه العامة «النجوم أمان لأهل السماء، إذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي ‌أمان ‌لأهل ‌الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض» [2].

٢ـ الإمام شاهد على الخلق:

من وظائفه أن يكون شهيداً على أعمال الخلائق كما اُشير له في الآية: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيدا} [البقرة: ١٤٣]. فقد روى الكليني والصفار بالإسناد عن بريد العجلي أنه: سئل إمامي الهدى مولانا الباقر والصادق (عليهما السلام)، عن قول الله عز وجل: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ} قالا (عليهما السلام): «نحن الأمة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه» [3].

٣ ـ الإمام هاديا بأمر الله تعالى:

إن الإمام (عليه السلام) من خلال ولايته التكوينية على النفوس يمتلك القدرة على إيصال نور الهداية إلى القلوب بطريقة غيبية ملكوتية، وهو ما يُعرف بالهداية الأمرية كما اُشير له في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاة} [سورة الأنبياء: 21]، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنا مِنْهُم أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا} [السجدة: 24]، فقد روى الخزاز القمي بسنده: عن زيد بن علي (عليه السلام) قال : كنت عند أبي علي ابن الحسين عليه السلام إذ دخل عليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فبينما هو يحدثه إذ خرج أخي محمد من بعض الحجر ، فأشخص جابر ببصره نحوه ثم قام إليه فقال : يا غلام أقبل فأقبل ثم قال : ادبر فأدبر ، فقال : شمائل كشمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما اسمك يا غلام ؟ قال : محمد . قال : ابن من ؟ قال : ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، قال : أنت إذا الباقر . قال : فابكى عليه وقبل رأسه ويديه ثم قال : يا محمد إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرئك السلام . قال : على رسول الله أفضل السلام وعليك يا جابر بما أبلغت السلام .ثم عاد إلى مصلاه ، فأقبل يحدث أبي ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي يوما : يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه مني السلام فإنه سمي وأشبه الناس بي علمه علمي وحكمه حكمي ، سبعة من ولده أمناء معصومون أئمة أبرار ، والسابع مهديهم الذي يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما . ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [4].

٤ـ الإمام حافظ للدين:

من وظائف الإمام حفظ الدين؛ لكي لا تمتد أيدي التزوير والتلاعب والتحريف إلى الدين الإسلامي, وقد ذكرنا فيما سبق قوله تعالى: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ} [الحجر: 9]. وحفظ الدين له أسبابه ومن أسباب حفظ الدين وجود المعصوم القادر على حفظه من أن تندس أيدي التلاعب والتزوير والتحريف.

أقول: بعد أنْ أوضحنا بعض وظائف الإمام في غيبته يتضح أن عدم العلم بآثاره لا ينقض الغرض إذ ليس هو علما بالعدم كما اُشير إلى ذلك في الأخبار نذكر بعضا منها:

١ـ روى الصدوق والخزاز بالإسناد عن جابر بن يزيد الجعفي قال :سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول : يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته ؟ فقال عليه السلام: «أي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب ، يا جابر هذا من مكنون سر الله ، ومخزون علمه ، فاكتمه إلا عن أهله » [5].

٢ـ روى الصدوق بسنده: عن علي بن الحسين (ع) قال : «.. نحن أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها وبنا ينزل الغيث ، وتنشر الرحمة ، وتخرج بركات الأرض ، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها ، ثم قال : ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلوا إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله . قال : سليمان ، فقلت للصادق عليه السلام : فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور ؟ قال : كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب» [6].

٣ـ روى الصدوق بسنده: عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «.. وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الابصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء» [7].

الجهة الثانية: إن الغيبة ليست مخطّطاً سماوياً:

إن سبب الغيبة جناية بشرية, والعمل البشري لا يكون نقضاً للغرض السماوي، كما أشار إليه المحقق الطَّوسي قائلاً: «وجوده لطف وتصرفه لطف آخر، وعدمه منا» [8]، أي فأنَّ أصل وجوده لطف به قوام نظام الكون، وقيادته للإمة لطف آخر وعدم تصرّفه منا وله سببان:

السبب الأول: منع أئمة الجور:

إنَّ المانع من تصرفه هو ظلم الطغاة كان سبباً لاختفائه. لكن، لا يمكن اعتبار الجريمة البشرية نقضاً للهدف السماوي كما أشار إليه الشريف المرتضى قائلاً: (إذا لم يظهر لإخافة الظالمين لا ولأنهم أحوجوه إلى الغيبة والاستتار كانت الحجة في فوت المصلحة به عليهم، فكانوا هم المانعين أنفسهم من الانتفاع به، وإذا عدمت عين الإمام ففات المكلفين الانتفاع به كانت الحجة في ذلك على من فوتهم النفع به) [9].

ومن الأمثلة على ذلك أن الهدف من نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة هو إقامة دولة العادل, الإلهي هذا هو المخطّط السماوي, لكن الطغاة اغتصبوا حقه ومنعوه من قيامه بمهام الخلافة، فكذلك نصَّب الحجة المهدي (عليه السلام) إماماً بعد أبيه الحسن العسكري (عليه السلام), لم يكن الغرض منه أن يغيب هذه الغيبة, بل كان مخطّطاً أن يبقى حاضراً بين الناس, ويقوم بتحقيق أهداف الإمامة ولكن الطغاة هجموا عليه فاستتر.

والسبب الآخر: تخاذل الإمة عن نصرته:

أنَّ عدم قيام الأمّة بنصرته والدفاع عنه، كان سببا لغيبته كما أشار إليه العلامة الحلي قائلاً: (ما يجب على الرعية ، وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله الرعية ، فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام) [10].

ومن الأمثلة على ذلك غيبة النبي موسى (عليه السلام), كانت بسبب عصيان بني إسرائيل له كما اُشير إليه في قوله تعالى: {قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّ فيها قَوْماً جَبَّارينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها} [المائدة: ٢٢], وقوله تعالى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ} [المائدة: ٢٤]. فهم قد رفضوا أن يدخلوا الأرض المقدسة, {قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسي‏ وَأَخي‏ فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقينَ * قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعينَ سَنَةً يَتيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقينَ} [المائدة: ٢٥ و٢٦]، لذلك غاب موسى (عليه السلام) عنهم, فبقوا في حيرة يتيهون في الأرض أربعين سنة, فكانت غيبة موسى (عليه السلام) عنهم جناية منهم, فكذلك غيبة الإمام الحجة (عليه السلام) نتيجة جناية بشرية وتقصير من الأمّة الإسلاميّة, وليست الغيبة مخطّطاً سماوياً ليقال: إن هذه الغيبة نقض للغرض من نصب الإمامة.

والحمد لله رب العالمين.

  1. أمالي الصدوق ص253، كمال الدين ص٢٨٩-294، حلية الأولياء ج١ص 79، تاريخ دمشق ج50 ص254 ↩︎
  2. فضائل الصحابة ج2 ص671، مسند الروياني ج2 ص258 ↩︎
  3. الكافي ج1 ص190، بصائر الدرجات ص84. ↩︎
  4. كفاية الأثر ص303 ↩︎
  5. كمال الدين ص253، كفاية الأثر ص55. ↩︎
  6. كمال الدين ص207، أمالي الصدوق ص253. ↩︎
  7. كمال الدين ص485 ↩︎
  8. تجريد الإعتقاد ص 285. ↩︎
  9. الشافي في الإمامة ج1 ص146 ↩︎
  10. كشف المراد ص185. ↩︎
Scroll to Top