المراد من (أَهْلُ الْبَيْتِ) في حادثة رزية الخميس

نص الشبهة:

أهل البيت المذكورين في حديث رزية الخميس «فاختلف أهل البيت واختصموا» يضع الشيعي أمام ملازمةٍ لا مخرج منها؛ فإمّا أن يكون المعنى خاص (بعلي وفاطمة وابنيهما)، فيلزم منه إثباتُ التنازع وهذا ينقضُ عصمتهم، وإمّا أن يكون المعنى عام، فيلزم منه دخولُ الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره في مسمّى أهل البيت.

فأيّاً ما كان المختارُ، فالنتيجةُ هي نقضُ أصول المذهب!

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنّ هذه الملازمة المزعومة باطلةٌ من أصلها؛ لأنّها قائمة على حصرٍ غير مستوعِب، وهو ما يُعبَّر عنه في صناعة الجدل بـ منع التقسيم، فإنّ المستدلّ حصر الاحتمال في شقّين، مع وجود ثالثٍ يرفع أصل الإلزام، فأن التقسيم المذكور ليس دائراً بين النفي والإثبات، بل هناك أكثر من معنى، وحينئذٍ: لا يلزم إسنادُ الاختلاف والتنازع إلى خصوص المعصومين، فتنهدم الملازمة من أساسها؛ لأنّها مبنيّة على حصرٍ باطل.

ثمّ اعلم: أنّ مفردة «أهل البيت» ليست من الألفاظ البسيطة المنحصرة، بل هي مركّبة من «الأهل» و«البيت»، ولكلٍّ منهما سعةٌ في الدلالة والاستعمال، فلا يُعيَّن المرادُ إلا بقرائن المقام، وبيان ذلك فنقول:

أولاً: في مادة (أهل): تتعدد موارد استعمال هذه المفردة عند العرب بحسب ما تضاف إليه؛ فتارةً تضاف للنكرة لإفادة الاستحقاق كقولهم «أهل كرمٍ»، وأخرى للمعرفة لبيان الاختصاص كـ «أهل فلانٍ»، وتارةً تضاف للصفة أو الحرفة أو المكان.

وقد جرى الاستعمال القرآني على هذا النسق، فوردت «الأهل» مضافةً إلى:

١ـ البلد والدار: كقوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ} [الأحزاب: 13]، وقوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101].

٢ـ الدين والمعتقد: كقوله سبحانه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 71]، و[النساء: 171]، [المائدة: 15]، وقوله سبحانه: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}. [المدثر: 56].

٣ـ السكنى: كقوله سبحانه: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ} [القصص: 12].

٤ـ النسب والقرابة: كقوله سبحانه: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي} [طه: 29].

٥ـ الزوجة: كقوله سبحانه: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ} [الأنبياء: 84].

ثانياً: في مادة (البيت):

وهي من الألفاظ المشتركة دلالياً؛ إذ تطلقها العرب على معبدها، ومسكنها، وشرف نسبها، بل وحتى على بيت القصيد. وفي الذكر الحكيم تنوعت هذه المادة لترد بمعنى:

١ـ بيت العبادة: والمراد به البيت المعمور أو الكعبة المشرفة، كقوله سبحانه: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 97].

٢ـ بيت السكنى: كقوله سبحانه: {وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران: 49].

٣ـ بيت النسب: كقوله سبحانه: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ}[الذاريات: 36].

وبناءً على ما تقدم من التحليل اللغوي، وعند محاكمة لفظ (أهل البيت) الوارد في نصوص القضية المبحوثة وتطبيقه على الوجوه المحتملة، ينقدح لنا الآتي:

أولاً: نفي إرادة (أهل النسب):

إنَّ القول بأنَّ المراد من (أهل البيت) هنا هم قرابة النبي وخواص عترته -ممن تنصرف إليهم العبارة بالغلبة- مما لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لقيام القرينة الحالية واللفظية المانعة من هذا الحمل.

غاية ما تدلّ عليه الرواية – على فرض تماميّتها – هو استعمال لفظٍ له سعةٌ لغويّة، ولا ملازمة بين الاستعمال اللغوي وبين ثبوت اللوازم العقديّة.

ثانياً: تعيُّن إرادة (أهل السكنى والحضور):

يتعين بحسب مقتضى السياق أنَّ المراد بـ (أهل البيت) في هذا المورد هو المعنى الجماعي لكل مَن ضمه ذلك المكان -البيت الحجرة- من الحاضرين وقت المقالة، سواء كانوا من ذوي القربى أم من عامة الصحابة.

وهذا الحمل هو الذي استقر عليه فهمُ جملةٍ من شراح الحديث، حيث قرروا أنَّ الخطاب لم يتوجه لعلي وبني هاشم (عليهم السلام) بخصوصهم، بل لكل مَن كان حاضراً في ذلك المشهد من المسلمين، وإليك بيان كلماتهم:

١ـ قال الحافظ ابن حجر: (فاختلف أهل البيت، أي من كان في البيت من الصحابة، ‌ولم ‌يرد ‌أهل ‌بيت ‌النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم)) [1].

٢ـ وقال الحافظ العيني: (قوله: (وفي البيت رجال)، أي: والحال أن في بيت النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) رجال من الصحابة، ‌ولم ‌يرد ‌أهل ‌بيت ‌النبي) [2].

٣ـ وقال الدهلوي: (والمراد بأهل البيت من كان في البيت حينئذٍ، ‌ولم ‌يرد ‌أهل ‌بيت ‌النبي) [3].

٤ـ وقال الإتيوبي الولوي: (وقوله: (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ)؛ أي: الصحابة الذين كانوا عنده (صلى الله عليه وسلم) في البيت، ‌وليس ‌المراد ‌أهل ‌بيت ‌النبيّ) [4].

والحمد لله رب العالمين

  1. فتح الباري ج8 ص135 ↩︎
  2. عمدة القاري ج18 ص63. ↩︎
  3. لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح ج9 ص538. ↩︎
  4. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ج28 ص492. ↩︎
Scroll to Top