المعتقدات الإسرائيلية في التراث السنيّ

السؤال:

كيف تسربت المعتقدات الإسرائيلية إلى التراث السنيّ؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنَّ أكثر المأثور الروائي عند العامة مأخوذٌ من التراث اليهودي، سيَّما روايات التفسير والحديث، كونهما قد تأثرا بالمعتقدات اليهودية بشكل كبير حتى أصبح جزءًا من الموروث السني.

فالإسرائيليات ـ عندهم ـ تارة تتعلق بالعقائد وأخرى بالأحكام وثالثها في قصص الأنبياء وبدء الخليقة.

وقد صنف جماعة من مفكري العامة مؤلّفات خاصة في هذا المجال تؤكد تسرب الإسرائيليات إلى الفكر السني التفسيري والحديثي، فمن تلك الكتب:

1ـ (الإسرائيليّات وأثرها في كتب التفسير).

رمزي نعناعة.

2ـ (الإسرائيليّات في التفسير والحديث).

محمد حسين الذهبي.

3ـ (الإسرائيليّات والموضوعات في كتب التفسير).

محمد بن محمد أبو شهبه.

4ـ وكتاب (الإسرائيليّات في التراث الإسلامي).

مصطفي حسين.

5ـ وكتاب (البدايات الأولى للإسرائيليّات في الإسلام). حسن يوسف الأطير.

عوامل تسرب الإسرائيليات:

ثمَّ إنَّ هذا التسرب والتأثر بالإسرائيليات له عوامله وأسبابه المتعددة، نذكر أهمها:

العامل الأول: أميَّة المجتمع العربيِّ السني آنذاك فالبداوة غالبةً على حياتهم، مكنت اليهود من تسريب الإسرائيليات التي تتعلق بالمعتقدات وقصص ببدء الخليقة، وتكوين الأرض والبحار وتنقيص الأنبياء وأشياء أخر، حيث كانت نفوس العرب ميّالة إلى سماع التفاصيل عمّا يُشير إليه القرآن من أحداث يهوديّة، فكانوا يسألون أحبار اليهود الذين اعتنقوا الإسلام عن تلك التفاصيل. كما أشار إلى ذلك عالم الاجتماع ابن خلدون بقوله: (أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنّما ‌غلبت ‌عليهم ‌البداوة والأمّيّة. وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النّفوس البشريّة في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التّوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النّصارى. وأهل التّوراة الّذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الّذين أخذوا بدين اليهوديّة. فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم ممّا لا تعلّق له بالأحكام الشّرعيّة الّتي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبّه وعبد الله بن سلام وأمثالهم ..) [1].

العامل الثاني: هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية واعتناق بعض أحبارهم الإسلام كان له تأثير كبير، ومن أبرز هؤلاء الشخصيات عبد الله بن سلام، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار وعبد الملك بن جريج. كما أشار الأستاذ محمود أبو رية إلى ذلك بقوله: (لمَّا كان أشدُّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود؛ لأنّهم بزعمهم شعب الله المختار، فلا يعترفون لأحدٍ غيرهم بفضل، ولا يقرّون لنبيٍّ بعد موسى برسالةٍ، فإنّ رهبانهم وأحبارهم لم يجدوا بدّاً ـ وبخاصَّة بعد أن غُلِبوا على أمرهم وأُخرِجوا من ديارهم ـ من أن يستعينوا بالمكر، ويتوسَّلوا بالدهاء، لكي يصلوا إلى ما يبتغون، فهداهم المكر اليهوديّ إلى أن يتظاهروا بالإسلام ويطووا نفوسهم على دينهم، حتَّى يخفى كيدهم، ويجوز على المسلمين مكرهم، وقد كان أقوى هؤلاء الكهَّان دهاءً وأشدَّهم مكراً، كعب الأحبار ووهب بن منبِّه، وعبد الله بن سلام. ولمَّا وجدوا أنَّ حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأنّ المسلمين قد سكنوا إليهم، واغترّوا بهم، جعلوا أوَّل همِّهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسّوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترّهات لكي تهيئ هذه الأصول وتضعف) [2]

نماذج من الإسرائيليات عند العامة:

1ـ تتداول بعض الأحاديث التي تتحدث عن تجسيم الذات الإلهية، مثل حديث “رأيت ربي في صورة شاب أمرد” وغيرها، والتي تعود أصولها إلى عقائد يهودية، كما ورد في التوراة. وقد انتقلت هذه الفكرة إلى التراث السني من خلال بعض مسلمة اليهود. حُكي عن الشهرستاني في هذا السياق أنه قال: (وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعدّدة في مسائل التجسيم والتشبيه، وكلّها مستمدة من التوراة) [3].

2ـ أحاديث تنقيص الأنبياء والمرسلين والقدح فيهم التي تناولتها كتب الحديث والتي تعود أصولها إلى عقائد يهودية، كما صرح بذلك أستاذ التفسير والحديث الشيخ محمد حسين الذهبي قائلاً: (ومن أمثلة ما جاء من مناكير الإسرائيليات مما يقدح في الأنبياء وينفي عنهم العصمة ما جاء في الصحاح التاسع عشر من سفر التكوين من أنَّ أبنتي لوط سقتا أبيها خمرا فزنا بهما وحملتا منه وولدت كل منهما ولدا .. ) [4].

والحمد لله رب العالمين

  1. تاريخ ابن خلدون ج١ ص٥٥٥ ↩︎
  2. أضواء على السنة المحمدية ص١٤٩ ↩︎
  3. الملل والنحل ج١ ص١١٧ ↩︎
  4. الإسرائيليات في التفسير والحديث ص٣١ ↩︎

Scroll to Top