الْمُرَادُونَ بِـ «أَهْلِ الْبَيْتِ» فِي حَادِثَةِ رَزِيَّةِ الْخَمِيسِ

نص الشبهة:

إنّ لفظ «أهل البيت» الوارد في حديث رزيّة الخميس: «فاختلف أهل البيت واختصموا»، يضع القائلين بإمامة أهل البيت وعصمتهم أمام ملازمةٍ لا مخرج منها؛ إذ لا يخلو الأمر من أحد احتمالين:

فإمّا أن يكون المراد بـ«أهل البيت» خصوص عليّ وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم)، وحينئذٍ يلزم نسبة الاختلاف والخصومة إلى المعصومين، وهو ما ينافي عصمتهم.

وإمّا أن يكون المراد بـ«أهل البيت» المعنى العام، فيلزم دخول الصحابة، كعمر بن الخطاب وغيره ممن حضروا يوم الرزية، في مسمّى «أهل البيت». وعلى كلا التقديرين تكون النتيجة نقضًا لأصلٍ من أصول المذهب الإمامي.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ هذه الملازمة المزعومة لا تنهض على أساسٍ صحيح؛ لأنّها مبنيّة على حصرٍ غير مستوعبٍ للاحتمالات، وهو ما يُعبَّر عنه في صناعة الجدل بـ«منع التقسيم»، إذ حصر المستشكلُ مدلول «أهل البيت» في معنيين لا ثالث لهما، مع أنّ اللفظ بحسب الوضع والاستعمال أوسع دائرة من ذلك، وأنّ تعيين المراد منه في كل مورد إنّما يكون بملاحظة السياق والقرائن الحافّة بالكلام.

وعليه، فليس البحث دائراً بين أن يكون المراد خصوص المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام)، أو أن يكون المراد جميع الصحابة بما فيهم عمر؛ بل هناك معنى ثالث، وهو المتعيّن بحسب سياق الرواية، فالمراد من «أهل البيت» –السكنى- أي مَن كان موجودًا في البيت وحاضرًا فيه حين وقوع الحادثة.

وبهذا تسقط الملازمة من أصلها؛ إذ لا يلزم من اختلاف «أهل البيت» بهذا المعنى نسبة الاختلاف إلى أهل البيت النبوي – النسب- الذين ثبتت عصمتهم عند الإمامية، كما لا يلزم منه إدخال الصحابة في «أهل بيت النبي» بالمعنى العقدي والخاص الوارد في أدلة الإمامة والفضائل ولبيان ذلك نذكر عدة وجوه.

الوجه الأول: في بيان سعة مدلول لفظ «أهل»:

لفظ «الأهل» من الألفاظ التي تتنوّع دلالتها بحسب ما تضاف إليه، فلا يختصّ لغةً بالزوجة أو القرابة أو العترة، بل يستعمل في معانٍ متعدّدة يجمعها نوع اختصاصٍ أو اتصالٍ بالشيء المضاف إليه.

ومن موارد استعماله في القرآن الكريم:

1ـ أهل البلد والمكان: كما في قوله سبحانه: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ} [الأحزاب: 13]، وقوله سبحانه:

{وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101].

فقد أُطلق «الأهل» على جماعةٍ باعتبار انتسابهم إلى مكانٍ معيّن.

2ـ أهل الدين والملة: كما في قوله سبحانه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64]. وقوله سبحانه: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56].

فليس «الأهل» مختصًا بالقرابة والنسب، بل يتسع لجهاتٍ أخرى من الاختصاص.

3ـ أهل البيت بمعنى سكانه ومن يقطنه: كما في قوله سبحانه: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} [القصص: 12].

فالمراد بـ«أهل البيت» هنا جماعةٌ اتصفوا بكونهم أهلًا لذلك البيت، أي من سكانه ومن يرتبط به من جهة السكنى.

4ـ الأهل بمعنى القرابة: كما في قوله سبحانه حكايةً عن موسى (عليه السلام): {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي} [طه: 29-30].

فاستُعمل اللفظ في القرابة.

5ـ الأهل بمعنى الزوجة ومن يرتبط بالإنسان في بيته: كما في قوله سبحانه: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء: 84].

ومن ثمّ، فإطلاق «الأهل» لا يعيّن بنفسه جهةً واحدةً من هذه الجهات، بل لا بدّ من ملاحظة المضاف إليه والقرائن السياقية لتحديد المراد.

الوجه الثاني: في سعة مدلول لفظ «البيت»:

وكذلك لفظ «البيت» ليس منحصرًا في معنى واحد، بل تتعدد استعمالاته بحسب المقام ومن موارد استعماله في القرآن الكريم:

1ـ بيت العبادة، كما في قوله سبحانه: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 97].

2ـ بيت السكنى، كما في قوله سبحانه: {وَفِي بُيُوتِكُمْ مَا تَدَّخِرُونَ﴾ [آل عمران: 49].

3ـ بيت النسب والعائلة، كما في قوله سبحانه: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36].

وعليه، فإنّ تركيب «أهل البيت» لا يقتضي بنفسه معنى «العترة النبوية» -النسب- في كل مورد، بل يتعيّن المراد منه بحسب السياق الذي ورد فيه والقرينة الصارفة إليه.

الوجه الثالث: في بطلان حصر المستشكل للمعنى في احتمالين:

من هنا يظهر الخلل الجوهري في الشبهة؛ فإنّ المستشكل جعل اللفظ دائراً بين:

1. إرادة أهل البيت النبوي بالمعنى الخاص.

2. إرادة جميع الحاضرين مع إدخال الصحابة في أهل البيت النبوي.

وهذا التقسيم غير تام؛ لأنّ هناك فرقًا واضحًا بين قولنا: «أهل بيت النبي» -النسب- وبين قولنا: «أهل البيت» -السكنى- في سياق الإخبار عمّن كان موجودًا في بيت النبي (صلى الله عليه وآله).

فالأول قد ينصرف بحسب القرائن إلى أهل بيته وعترته، وأمّا الثاني فقد يراد به أهل ذلك المكان، أي الذين كانوا مجتمعين فيه حين وقوع الحادثة.

ومن ثمّ، لا يصح الانتقال من إطلاق «أهل البيت» على الحاضرين في البيت إلى دعوى أنّ كل واحدٍ منهم صار من «أهل بيت النبي» بالمعنى النسبي الخاص الذي تدور عليه نصوص الإمامة والعصمة.

وهذا من الفروق الأساسية التي أغفلها المستشكل.

الوجه الرابع: تعيين المراد بـ«أهل البيت» في مورد رزية الخميس:

إذا رجعنا إلى سياق الرواية وجدنا أنّ الكلام وارد في مشهدٍ مخصوص داخل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنّ الحديث عن جماعةٍ كانوا مجتمعين عنده في ذلك الموضع.

وعليه، فالأقرب إلى سياق الكلام أن يكون المراد بقوله: «فاختلف أهل البيت واختصموا» أي: اختلف الحاضرون في البيت وتنازعوا في شأن الكتاب الذي أراد النبي (صلى الله عليه وآله) كتابته، لا أنّ المراد خصوص عترة النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل الكساء.

وهذا المعنى ليس توجيهًا مبتكرًا من الإمامية، بل صرّح به جماعة من شُرّاح الحديث من علماء أهل العامة، ففسّروا «أهل البيت» هنا بمن كان حاضرًا في البيت –السكنى-، ونفوا إرادة أهل بيت النبي –النسب- بالمعنى الخاص.

فقال الحافظ ابن حجر: «فاختلف أهل البيت، أي من كان في البيت من الصحابة، ولم يرد أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)» (1).

وقال العيني: «قوله: (وفي البيت رجال)، أي: والحال أن في بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجالًا من الصحابة، ولم يرد أهل بيت النبي» (2).

وقال الدهلوي: «والمراد بأهل البيت من كان في البيت حينئذ، ولم يرد أهل بيت النبي» (3).

وقال الإتيوبي الولوي: «وقوله: (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ)؛ أي: الصحابة الذين كانوا عنده (صلى الله عليه وسلم) في البيت، وليس المراد أهل بيت النبي» (4).

وهذه التصريحات تكشف بوضوح أنّ إطلاق «أهل البيت» في هذا الموضع لا يلزم أن يكون مصطلحًا يراد به أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) بالمعنى النسبي الخاص، بل يمكن ـ بل هو الظاهر بحسب السياق ـ أن يكون المراد أهل البيت –السكنى- بمعنى الحاضرين فيه.

الوجه الخامس: لا يلزم من ذلك إثبات العصمة للمتنازعين:

وبناءً على ما تقدم، يسقط أصل الإشكال القائم على دعوى التنافي بين الرواية وعقيدة العصمة.

فإنّ القائل بالإمامة والعصمة لا يلتزم أصلًا بأنّ كل من عبّر عنهم النبي (صلى الله عليه وآله) أو الرواة بلفظ «أهل البيت» في أي سياقٍ كانوا هم أهل البيت المعصومين بالمعنى الاصطلاحي. بل لا بد من التفريق بين:

1ـ أهل البيت باعتبار السكنى والحضور في بيتٍ معيّن،

وبين:

2ـ أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) باعتبار النسب والمقام والخصوصية الشرعية،

وبين:

3ـ أهل البيت الذين دلّت النصوص الخاصة على عصمتهم ومرجعيتهم، كأهل الكساء والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام). فاشتراك هذه الموارد في اللفظ لا يستلزم اتحادها في المدلول.

النتيجة:

يتضح مما سبق أنّ الشبهة مبنية على مغالطةٍ في تعيين مدلول اللفظ، ثم على حصرٍ غير صحيح للاحتمالات. فلفظ «أهل البيت» في قوله: «فاختلف أهل البيت واختصموا» لا يتعين حمله على أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) بالمعنى النسبي الخاص، بل السياق يدل على إرادة من كان حاضرًا في البيت حين وقوع الحادثة، وهو المعنى الذي صرّح به غير واحدٍ من شُرّاح الحديث من أهل السنة أنفسهم.

وعليه، فلا يلزم من الرواية نسبة الاختلاف إلى أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ولا يلزم منها إدخال عمر وسائر الصحابة في «أهل بيت النبي» بالمعنى العقدي والخاص.

وبذلك تنهدم الملازمة التي أقام عليها المستشكل شبهته من أساسها؛ لأنّ اللفظ المشترك أو المتعدد الاستعمال لا يُحمل على أحد معانيه إلا بقرينة، ولا يصح ترتيب اللوازم العقدية على معنى لم يثبت إرادته في مورد الكلام.

والحمد لله رب العالمين.

  1. فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج8، ص135. ↩︎
  2. عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج18، ص63. ↩︎
  3. لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، ج9، ص538. ↩︎
  4. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، ج28، ص492 ↩︎
Scroll to Top