براءة هشام بن الحكم من دم الإمام الكاظم (ع)

نص الشبهة:

في كتب الرافضة هشام بن الحكم يتسبب في سجن الإمام موسى بن جعفر الكاظم ومن ثم قتله، كما قال الرضا: (أن هشام بن الحكم ضال مضل شرك في دم أبي الحسن) [1].

جواب الشبهة:

بسم الله ارحمن الرحيم

أن هشاماً قد ورد في حقه مدائح كثيرة عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، إلا أنه قد رُوي في بعض الأخبار، إنّ مناظراته كانت السبب في حبس الإمام وقتله من قبل هارون العباسي، ولم يثبت منها بطريق الاسناد سوى رواية واحدة قادحة وأخرى مادحة وإليك ما وردفي ذلك:

1ـ روى الحميري والكشيّ بالإسناد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «أما كان لكم في أبي الحسن (عليه السلام) عظة ما ترى حال هشام بن الحكم؟ فهو الذي صنع بأبي الحسن ما صنع وقال لهم وأخبرهم، أترى الله يغفر له ما ركب منا» [2].

هذه الرواية، رغم أنها صحيحة من حيث الإسناد، إلا أنها تتعارض مع الكثير من الأخبار الصحيحة التي تظهر جلالة هشام بن الحكم وعظمته. لا شك أن السبب وراء حبس الإمام وقتله كانت الوشاية والأموال التي كانت تُجمع له، حيث سعى أخوه محمد بن جعفر وابن أخيه علي بن إسماعيل للإيقاع به لدى هارون العباسي.

2ـ روى الكشيّ بالإسناد عن موسى بن الرقي قال لأبي الحسن الثاني (عليه السلام): جعلت فداك عنك المشرقي وأبو الأسود انهما سألاك عن هشام بن الحكم ؟ فقلت: ضال مضل شرك في دم أبي الحسن (عليه السلام) فما تقول فيه يا سيدي نتولاه؟ قال: نعم فأعاد عليه نتولاه على جهة الاستقطاع؟ قال: نعم تولوه نعم تولوه، إذا قلت لك فاعمل به ولا تريد أن تغالب به، اخرج الان فقل لهم قد أمرني بولاية هشام بن الحكم، فقال المشرقي لنا بين يديه وهو يسمع: ألم أخبركم أن هذا راية في هشام بن الحكم غير مرة) [3].

هذه الرواية من الروايات المادحة لهشام بن الحكم لا ذمِّه، فهي تدل على أن الإمام (عليه السلام) قد أمر الرقي بأن يتولى هشام بن الحكم، وأن يخبر غيره بأن هذا هو رأيه فيه، خلافاً لما تقوله أبو الأسد، والمشرقي على الإمام (عليه السلام) في هشام ما لم يقله فيه.

وما جاء فيها من أنه «ضال مضل شرك في دم أبي الحسن» لا ينسجم مع الأمر بمولاته، إلا إذا قيل إنهُ (عليه السلام) قال ذلك بحقه بدافع التقية، للحفاظ على سلامة هشام بن الحكم من القتل، مثلما حصل مع غيره كذم الإمام زرارة بن أعين وغيره.

أما الروايات الضعيفة التي تتضمن الذم فهي:

1ـ روى الكشيّ بالإسناد، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سمعته يؤدي إلى هشام بن الحكم رسالة أبي الحسن عليه السلام قال : لا تتكلم فإنه قد أمرني أن آمرك أن لا تتكلم ، قال : فما بال هشام يتكلم وأنا لا أتكلم ، قال ، أمرني أن آمرك أن لا تتكلم وأنا رسوله إليك .

قال أبو يحيى: أمسك هشام بن الحكم عن الكلام شهرا لم يتكلم ثم تكلم فأتاه عبد الرحمن بن الحجاج، فقال له: سبحان الله يا أبا محمد تكلمت وقد نهيت عن الكلام، قال: مثلي لا ينهى عن الكلام .

قال أبو يحيى : فلما كان من قابل ، أتاه عبد الرحمن بن الحجاج ، فقال له يا هشام قال لك أيسرك أن تشرك في دم امرء مسلم؟ قال: لا، قال: وكيف تشرك في دمي، فان سكت والا فهو الذبح؟ فما سكت حتى كان من أمره ما كان (صلى الله عليه وآله» [4].

هذه الراوية ضعيفة، بجعفر بن معروف الذي لم يوثق، وإسماعيل بن زياد الوسطي، مجهول [5].

2ـ وروى الكشيّ بالإسناد عن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال ، قال أبو الحسن (عليه السلام): ايت هشام بن الحكم فقل له: يقول لك أبو الحسن: أيسرك أن تشرك في دم امرء مسلم فإذا قال لا ، فقل له: ما بالك شركت في دمي؟ [6].

هذه الرواية ضعيفة بسبب علي بن محمد، حيث لم يتم توثيقه [77].

يتضح لنا مما تقدم عدة نقاط نود الإشارة إليها بما يلي:

أولاً: روي أنَّ نهي هشام عن الكلام كان مقيَّدا بزمان المهدي العباسي، وأنه التزم به، كما روى الكشي بالإسناد عن يونس، قال: «قلت لهشام: إنهم يزعمون أن أبا الحسن عليه السلام بعث إليك عبد الرحمن بن الحجاج يأمرك أن تسكت ولا تتكلم، فأبيت أن تقبل رسالته، فأخبرني كيف كان سبب هذا؟ وهل أرسل إليك ينهاك عن الكلام أم لا؟ وهل تكلمت بعد نهيه إياك؟ فقال هشام: إنه لمّا كان أيام المهدي؛ شدَّدَ على أصحاب الأهواء، وكتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفا صنفا، ثم قرأ الكتاب على الناس. فقال يونس: قد سمعت الكتاب يُقرأ على الناس على باب الذهب بالمدينة ومرة أخرى بمدينة الوضاح، فقال: إن ابن المفضل صنَّف لهم صنوف الفرق، فرقةً فرقةً، حتى قال في كتابه: وفرقة يقال لهم: الزرارية، وفرقة يقال لهم : العمارية، أصحاب عمار الساباطي، وفرقة يقال لهم : اليعفورية، ومنهم فرقة أصحاب سليمان الاقطع، وفرقة يقال لهم الجواليقية. قال يونس: ولم يذكر يومئذ هشام بن الحكم ولا أصحابه. فزعم هشام ليونس أن أبا الحسن عليه السلام بعث إليه فقال له: كُفَّ هذه الأيام عن الكلام فإن الأمر شديد. قال هشام: فكففتُ عن الكلام حتى مات المهدي وسكن الأمر. فهذا الأمر الذي كان من أمره وانتهائي إلى قوله» [8].

وهذه الرواية مع ضعف سندها بجهالة «جبرئيل بن أحمد الفاريابي»، فهي تبين أن هشاماً كان يعتقد النهي كان مقيَّدا بزمان «المهدي العباسي»، وأنه التزم به وهذا يدل على أنه لم يكن يتعمد الإضرار بالإمام (عليه السلام). إذ ليس في الروايتين ما يدل على تعمده وبالإضافة لهذه الرواية يفهم أنَّ هشاما اعتقد ان النهي في وقت المهدي العباسي لهذا امتثل للأمر ثم عاود المناظرات.

ثانيا: أنّ النهي لم يكن موجّهاً إلى هشام في أوّل الأمر، ولذلك قال: «مثلي لا ينهى عن الكلام» [9] حيث أنَّ الإمام الصادق قال فيه: «مثلك فليكلم الناس» [10]، ويؤيده فأن الأخبار الواردة في النهي عن الكلام إنما هي ناظرة إلى من لا يحسن الكلام وهشام ليس من جملتهم فقد روى روى الكشي بالإسناد عن أبي خالد الكابلي، قال رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة ازراره وهو دائب يجيبهم ويسألونه ، فدنوت منه فقلت ان أبا عبد الله نهانا عن الكلام فقال: أمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا ولكنه أمرني ألا أكلم أحدا.  قال: فاذهب فأطعه فيما أمرك، فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بقصة صاحب الطاق، فتبسم أبو عبد الله (عليه السلام) وقال: يا أبا خالد ان صاحب الطاق يكلم الناس فيطير وينقض، وأنت إنْ قصوك لن تطير»[11] ، وروى أيضاً بسنده: عن الطيار قال ، قلت لأبي عبد الله بلغني أنك كرهت منا مناظرة الناس وكرهت الخصومة ؟ فقال : أما كلام مثلك للناس فلا نكرهه، من إذا طار أحسن أن يقع وإن وقع يحسن أن يطير ، فمن كان هكذا فلا نكره كلامه [12]

قال الشيخ المفيد: (فثبت أنّ نهي الصادقين (عليهما السلام) عن الكلام إنّما كان لطائفةٍ بعينها، لا تحسنه ولا تهتدي إلى طرقه، وكان الكلام يفسدها، والأمر لطائفةٍ أخرى به، لأنها تحسنه وتعرف طرقه وسبله) [13]، يضاف إلى ذلك لو صحّت تلك الرواية لما ترحم عليه كل من الإمامين الرضا والجواد (عليهما السلام) [14].

ثالثا: يمكن تفسير صدور الروايات الذامة لهشام بن الحكم على أنها تعبير عن التقية، بهدف الحفاظ على سلامته من القتل، كما حدث مع إخوته مثل زرارة وآخرين. كان ذلك وسيلة لتخفيف مضايقات السلطة الجائرة، حيث إن الاختلاف الظاهري والذم الموجه له يوحي للسلطة بأن هشام مغضوب عليه، مما يؤدي إلى توقف ملاحقته. ويعزز هذا التفسير صدور المدح بعد أن تم رفع ملاحقته [15]

والحمد لله رب العالمين.

  1. رجال الكشيّ ص229 ↩︎
  2. قرب الاسناد ص381، اختيار معرفة الرجال ج2 ص561 ↩︎
  3. اختيار معرفة الرجال ج2 ص544 ↩︎
  4. اختيار معرفة الرجال ج2 ص548 ↩︎
  5. معجم رجال الحديث ج20 ص234 ↩︎
  6. اختيار معرفة الرجال ج2 ص562 ↩︎
  7. معجم رجال الحديث ج20 ص235 ↩︎
  8. اختيار معرفة الرجال ج2 ص547 ↩︎
  9. اختيار معرفة الرجال ص 270 ↩︎
  10. الكافي ج 1 ص173 ↩︎
  11. رجال الكشيّ ج2 ص424 ↩︎
  12. رجال الكشيّ ج2 ص638 ↩︎
  13. تصحيح اعتقادات الإماميّة، ص71 ↩︎
  14. اختيار معرفة الرجال ص270-278 ↩︎
  15. تنقيح المقال ج 3 ص298 ↩︎
Scroll to Top