نص الشبهة:
روى الصدوق في (معاني الأخبار) عن جعفر بن محمد الصادق، أن عليا وقف على جثمان عمر وقال: «ما أحد أحب إليَّ أن ألقى الله بصحيفة من هذا المسجّى».
ظاهر الخبر يشير إلى صحيفة الأعمال (أي أفعاله ومنجزاته)، وتمنّي لقاء الله بمثلها يعدّ أعلى درجات التزكية والرضا عن المنهج.
فإذا كان المعصوم يزكي أعمال عمر، فإن طعن الإمامية في شرعية خلافته أو دينه يعدّ مخالفة صريحة لقول إمامهم، مما يستلزم بطلان المعتقد.
الإجابة:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ ما رامه المستشكل من محاولةِ صرفِ مدلول الخبر نحو المدح، ليس إلا تحريفا لظاهر الخبر؛ إذ هو فرعُ الخلطِ بين صحيفة الأعمال وبين الصحيفة المعهودة تاريخياً بـ (الصحيفة الملعونة)، حيث أنه واردةٌ في سياق الذم الكنائي لا المدح الصريح؛ فالموردُ ناظرٌ إلى تلك المعاهدة التي أُبرمت في جوف الكعبة لإقصاء الحقّ عن أهله وعليه، فإنّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجّى»، لا يُحمل على تمنّي الثواب، بل على تثبيت الجناية؛ أي أن يلقى الله والخصمُ يحمل وزر صحيفته المشؤومة.
ويتعاضد هذا الظهور بما ورد في نفس الخبر من البيان التفسيري الصادر عن الإمام الصادق (عليه السلام)، إذ تولّى رفعَ الإجمال وكشفَ المراد، فلمّا سُئل عن ذلك قال: «عنى بها الصحيفة التي كُتبت في الكعبة» [1]؛ وهو نصٌّ صريحٌ في تعيين المراد، وصارفٌ قاطعٌ عن توهّم حمله على صحيفة الأعمال أو إرادة المدح.
يمكن الإجابة على هذه الشبهة عبر ثلاثة وجوه:
الوجه الأوّل: إنّ حمل الخبر على ظاهره ممتنعٌ؛ لاستحالة أن يلقى المرء ربّه بـ (عين) أعمال غيره. وحيث استحال الظاهر، وجب المصير إلى دلالة الاقتضاء بتقدير محذوف، وهو مرددٌ بين تقدير (المثلية) أو (المخالفة). وكما أفاد الشريف المرتضى (علم الهدى): فإنّ دعوى إضمار (المثل) لإفادة المدح ليست بأولى من إضمار (الخلاف) لإفادة القدح، وإذا تكافأت الدعويان سقط الاستدلال؛ إذ الدليل إذا تطرّق إليه الاحتمال، بطل به الاستدلال [2].
إذنْ: أنّ نصّ الخبر بمقتضى دلالة الاقتضاء يدورُ مدارَ احتمالين متكافئين في مقام الثبوت:
أحدهما: إرادة المدح بتقدير (مِثل) أو (نظير) أعماله، وهو صَرْفٌ للمحرّك نحو التزكية.
والآخر: إرادة القدح بتقدير (خلاف) صحيفته، وهو صَرْفٌ له نحو المباينة والبراءة.
وحيثُ إنه لا مرجّح لتقدير المِثلية على المخالفة من حيثُ وضع اللفظ، يبقى الدليلُ في دائرة الإجمال؛ بل إنّ التحقيقَ يقتضي تعيّن إرادة القدح وتقدير المخالفة بقرائنَ قطعيةٍ سياقيةٍ وخارجية، سيأتي بيانُ وجهِ الاستدلال بها تفصيلاً:
الوجه الثاني: أنّ تمنّي لقاء الله (عز وجل) بصحيفة الخصم ليس بالضرورة تمنياً لحيازة ثوابها، بل هو تمنٍّ لمواجهة صاحبها بما أودع فيها من الآثام والجنايات؛ فيكون الكلامُ مَسوقاً مساق الذمّ العظيم والاستعداء لله (عز وجل)، حيث أنّ مقتضى الأدلة المتواترة والوقائع القطعية المشهورة -من غصب الخلافة، وسلب حق الصديقة الكبرى (عليها السلام)، والهجوم على الدار- يُحيلُ عقلاً ونقلاً أن يتمنى أمير المؤمنين (عليه السلام) نظير تلك الأعمال. وعليه، يتعيّن حملُ اللقاء بالصحيفة على غرض المقاضاة والمخاصمة بين يدي أحكم الحاكمين؛ ليكون ما دُوّن في تلك الصحيفة هو عين الإدانة ومستند المحاكمة. وبهذا التوجيه صرّح جملةٌ من المتقدمين من أصحابنا، كما حكاه السيد المرتضى بقوله: «إنّما تمنّى أن يلقى الله بصحيفته ليخاصمه بما فيها، ويحاكمه بما تضمّنته» [3].
وبذلك ينقلبُ الاستدلالُ بالخبر من مورد المدح الموهوم إلى مورد المظلمة المعلوم.
الوجه الثالث: أنّ الألف واللام في الصحيفة ليست لاستغراق الأعمال، بل هي لـ (العهد الخارجي)؛ إشارةً إلى وثيقةٍ مخصوصة ومعهودةٍ في وجدان العترة (عليهم السلام). والمراد بها تلك الصحيفة الملعونة التي خطّها الرجل بيده، وتواثق عليها جماعةٌ من الصحابة في جوف الكعبة على إقصاء الخلافة عن معدنها ومنع وصي النبي من حقّه.
وعليه؛ يكون تمنّي أمير المؤمنين (عليه السلام) للقاء الله بهذه الصحيفة هو من باب استحضار وثيقة الإدانة في المحكمة الإلهية الكبرى؛ ليُلقي الحجة على كاتبها ومُبرمها بما جناه على الأمة. ويشهد لهذا التوجيه جملة من الأخبار نذكر منها ما رواه أبو سعيد العصفريّ بالإسناد إلى مولانا جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: « ..وأجمع القوم [يعني أبا بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم – على كتابٍ كتبوه بينهم في المسجد الحرام: إنْ قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألّا يولّوا عليّاً منها شيئاً، فلمّا سُجّي أبو بكر دخل عليه عليّ (عليه السلام) فقال: ما أُحبّ أن ألقى الله بمثل صحيفة هذا المسجّى، قال: فلمّا سُجّي عمر دعا له فقال مثل ذلك، قال: فهي الصحيفة التي كتبوها بينهم: إنْ قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألّا يولّوها عليّاً (عليه السلام) » [4].
وبهذا يسقطُ الاستدلالُ بالعموم المدّعى، ويتحول النصّ من تزكيةٍ مطلقة إلى إدانةٍ مشخصة، ويستحيلُ المديحُ الموهومُ تقريعاً وذماً لا مخلص منه.
أقول: هذه الرواية تبيّن أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال هذه العبارة عند جنازة أبي بكر أيضاً، وفي ذلك رواية في بعض كتب المخالفين، وهذا يعني أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال هذه العبارة أوّلاً عند جنازة أبي بكر وثانياً عند جنازة عمر، وهما ركنا المؤامرة.
وقد ورد هذا الوجه في كلام جماعة من أصحابنا، نذكر بعضاً من كلماتهم:
قال هشام بن الحكم – بعد أن صرّح بعدم ثبوت الحديث -: (ولو ثبت لكان المعنى فيه معروفاً، وذلك أنّ عمر واطأ أبا بكر والمغيرة وسالماً مولى أبي حذيفة وأبا عبيدة على كتب صحيفة بينهم، يتعاقدون فيها على أنّه: إذا مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يورّثوا أحداً من أهل بيته، ولم يولّوهم مقامه من بعده، فكانت الصحيفة لعمر إذْ كان عماد القوم، والصحيفة التي ودَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ورجا أن يلقى الله بها هي هذه الصحيفة، فيخاصمه بها، ويحتجّ عليه بمتضمّنها. والدليل على ذلك: ما روته العامّة عن أبيّ بن كعب: أنّه كان يقول في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) – بعد أن أفضى الأمر إلى أبي بكر – بصوتٍ يسمعه أهل المسجد: ألَا هلك أهل العقدة، والله ما آسى عليهم إثماً، آسى على مَن يضلّون من الناس، فقيل له: يا صاحب رسول الله، مَن هؤلاء أهل العقدة؟ وما عقدتهم؟ فقال: قومٌ تعاقدوا بينهم: إنْ مات رسول الله لم يورّثوا أحداً من أهل بيته ولا ولّوهم مقامه، أمَا والله لئن عشت إلى يوم الجمعة لأقومنَّ فيهم مقاماً أبيّن به للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة) [5].
وقال أبو القاسم الكوفيّ: (وأمّا أبو عبيدة الجراح فالرواية عن أهل البيت (عليهم السلام) أنّه كان أمين القوم الذين تحالفوا في الكعبة الشريفة أنّه إنْ مات محمّد أو قتل لا يصيّروا هذا الأمر إلى أهل بيته من بعده، وكتبوا بينهم صحيفة بذلك، ثمّ جعلوا أبا عبيدة بينهم أميناً على تلك الصحيفة، وهي الصحيفة التي روت العامّة أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل على عمر وهو مسجّى فقال: «ما أبالي أن ألقى بصحيفة هذا المسجّى، وكان عمر كاتب الصحيفة » [6].
أذن: بناء على ما تقدم يتبين لنا أن الصحيفة التي تمنى أمير المؤمنين (عليه السلام) لقاء الله تعالى بها هي الصحيفة الملعونة التي تعاقد عليها أبو بكر وعمر وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل حيث اجتمعوا في المسجد الحرام فكتبوا كتاباً وتعاهدوا عليه لئن مضى محمّد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا يولّوها عليّاً.
والحمد لله رب العالمين




