دراسة نقدية لرواية «البعوضة» في تفسير القمي

نص الشبهة:

يُثير السلفيُّون في المنتديات إشكالية مفادها أنَّ الشيعة تروي خبراً يصف فيه علياً بالبعوضة، وهذا طعناً في المقام العلوي! هل بالإمكان ردُّ هذه الإشكالية؟

جواب الشبهة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنَّ التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم القمي [1] ورد فيه خبراً يتعلق بتفسير قوله (عز وجل): {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]، أنَّ البعوضة هي كناية عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد أثار ذلك جدلاً كلامياً واسعا حتى جعله بعض المخالفين مدعاةً للتعريض بالشيعة الإماميَّة، مدَّعين أنَّه طعنٌ في أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ لذا وجدنا لابد من مناقشته سندا ودلالة:

1ـ من حيث الإسناد الخبر ضعيف فهو يحتوي على علَّتينِ:

أحدهما: «القاسم بن سليمان»، مجهول كما نصّ على جهالته جمعٌ من العلماء، كالمحقّق الأردبيلي [2]، والشيخ البهائيّ [3] وغيرهما.

والآخر: «المعلى بن خنيس»، ضعيف كما نصّ على تضعيفه كل من النجاشيّ [4] وابن الغضائريّ [5]، وغيرهما.

2ـ من حيث الدلالة أنّ هذا الخبر ليس، طعنٌ أو توهين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، بل هو في غاية المدح وبيانه من وجوه:

الوجه الأول: إن تمثيل أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبعوضة يوضح أنَّ عظمته تتضاءل أمام عظمة الله (عز وجل) وقدرته المطلقة. وهذا يأتي تأكيدًا على أنه لا يُقارن بالله (عز وجل) أحد، كما ورد في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام): «فقيل للإمام الباقر (عليه السلام): أنَّ بعض من ينتحل موالاتكم يزعم أنَّ البعوضة علي (عليه السلام) وأن ما فوقها – وهو الذباب – محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال الباقر (عليه السلام): سمع هؤلاء شيئا [و] لم يضعوه على وجهه، إنما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاعداً ذات يوم هو وعليٌّ (عليه السلام) إذ سمع قائلاً يقول: ما شاء الله وشاء محمد، وسمع آخر يقول: ما شاء الله، وشاء عليّ!

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لا تقرنوا محمداً و [لا] علياً بالله عزَّ وجلَّ ولكن قولوا :ما شاء الله ثم [شاء محمد ما شاء الله ثم] شاء علي، إنَّ مشية الله هي القاهرة التي لا تُساوى ، ولا تُكافأ ولا تدانى، وما محمدٌ رسول الله في [دين] الله وفي قدرته إلا كذبابةٍ تطير في هذه الممالك الواسعة، وما عليٌّ عليه السلام في [دين] الله وفي قدرته إلا كبعوضةٍ في جملة هذه الممالك، مع أنَّ فضل الله تعالى على محمدٍ وعليٍّ هو الفضل الذي لا يفي به فضله على جميع خلقه من أول الدهر إلى آخره. هذا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذكر الذباب والبعوضة في هذا المكان فلا يدخل في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}» [6].

الوجه الثاني: أنَّ المراد هو تمثَّلٌ بالبعوضة وليس وصفاً بها، ويدلّ عليه السياق، اختصر الكلام لأجل السياق، فأصل العبارة: (فالبعوضة لأمير المؤمِنين، وما فوقها لرسول الله) ثمّ حذفت اللَّام الجارّة، فصارت الجملة: (فالبعوضة أمير المؤمِنين). وحذف اللَّام في مثل المقام شائعٌ في كلام العرب، وقد صرّح به علماء العربيّة، فقد حكى سيبويه مِن قولهم: الله لأخرجنّ، يريدون والله، ومثل ذا كثير) [7].

وعلى هذا، فإن لفظ: «أمير المؤمِنين» في الرواية مجرور، فالمعنى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} لأمير المؤمِنين، لا أنّ المراد مِن البعوضة هو أمير المؤمِنين، وضرب مثلاً {فَمَا فَوْقَهَا} لرسول الله، لا أنّ ما فوقها هو رسول الله [8].

والحمد لله رب العالمين

  1. تفسير القميّ ج۱ ص٣٥. ↩︎
  2. مجمع الفائدة ج٢ ص٨٦. ↩︎
  3. الحبل المتين ص١٨٤. ↩︎
  4. رجال النجاشيّ ص٤١٧ ↩︎
  5. رجال ابن الغضائريّ ص٨٧ ↩︎
  6. تفسير العسكري ص٢٠٩. ↩︎
  7. مجمع البيان ج١ ص٢٨. ↩︎
  8. استخراج المرام ج٣ ص٤٦٧ ↩︎
Scroll to Top