دعوى استرضاء أبي بكر لفاطمة (ع)

نص الشبهة:

يدّعي بعض المخالفين: أنّ فاطمة (عليها السلام) قد رضيت عن أبي بكر في مسألة فدك، مستدلّين برواية البيهقيّ الواردة بهذه الصيغة: قال الشعبيّ: (لمّا مرضت فاطمة أتاها أبو بكر فاستأذن عليها.. فأذنت له فدخل عليها يترضّاها حتّى رضيت [1]. فما ردّكم عليه؟

جواب الشبهة:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنَّ أبا بكر قد حاول استرضاء السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قبل موتها، ولم ترضَ عنه، بل ماتت وهي غاضبة عليه، وهذا ثابتٌ عند مخالفينا، إذْ رواه صاحبي الصحيحين البخاريّ ومسلم وغيرهما، فروى البخاريّ ومسلم بسندهما عن عائشة قالت: «فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت»[2]، وفي لفظ آخر قالت: «فغضبت فهجرته فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت» [3]، وفي جامع الترمذيّ بسنده عن أبي هريرة قال: «إنّ فاطمة جاءت أبا بكر تسأل ميراثها من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) فقال: سمعت رسول اللّه يقول: »إنّي لا أورث» قالت: واللّه لا أكلّمك أبداً، فماتت ولمّ تكلّمه» [4]، بل وصل الحال بها أنّها (عليها السلام) أوصت أنْ لا يشهد دفنها ولا يصلّي عليها، فقد روى عبد الرزاق بسنده إلى عروة، عن عائشة، «أنّ عليّاً دفن فاطمة ليلاً، ‌ولم ‌يؤذن ‌بها ‌أبا ‌بكر» [5]، وفي لفظٍ آخر: عن حسن بن محمّد قال: «أنّها ‌أوصت عليّاً بأنْ لا يصلّي عليها أبا بكر [6].

وأما رواية البيهقيّ فهي مرسلة من قول التابعيّ (عامر بن شراحيل الشعبيّ)، إذ أنّهُ لم يروها عمّن شهد الواقعة فهي – إذنْ – مقطوعة، وذلك لأنّ الشعبيّ هذا ولد في أواخر خلافة عمر بن الخطّاب في سنة إحدى وعشـرين للهجرة. [7].، يعني أنّ الحادثة وقعت قبل ولادته بعشـر سنين. ولهذا حاول ابن كثير أنْ يوصله الى صحابيّ فقال: (الظّاهر أنّ عامر الشعبيّ سمعه من عليّ أو ممّن سمعه منه) [8].

وحينئذٍ؛ يكون ما استظهره ابن كثير عارٍ من الدليل، فيترتّب عليه أمران:

أحدهما:  أنَّ هذا الأثر مرسل، تفرّد به الشعبيّ والمرسل من أقسام الضعيف.

والآخر: أنّ هذا الأثر معارض لحديث عائشة التي شهدت الواقعة، فلذا يتقدّم خبرها على خبر التابعيّ من جهتين:

الجهة الأولى: أنّها من الصحابيّات، فخبرها يُقدّم على خبر التابعيّ بإتفاق انقاد الحديث لذا قال ابن كثير: (قول الصحابيّ مقدّم ‌على ‌قول ‌التابعيّ [9].

الجهة الثانية:  أنّ خبرها قد أخرجه الشيخان (البخاريّ ومسلم)، إذْ يسمّى مثل هذا الخبر بالمتّفق عليه، والمعروف بين نقاد الحديث أنّ الخبر المتّفق عليه يُقدّم على غيره من الأخبار الصحيحة، لخصوصيّةٍ في كتابي البخاريّ ومسلم جعلت من أحاديثهما تأخذ المرتبة المتقدّمة على غيرهما من الأحاديث الصحيحة كما هو مبيّن في كتب علم الحديث.

وعليه: حتّى لو فرضنا أنّ خبر الشعبيّ كان صحيحاً لكان خبر عائشة المتّفق عليه راجحاً، ويكون خبر الشعبيّ مرجوحاً، فكيف والأصل في خبر الشعبيّ أنّه ضعيفٌ؟!

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الميامين.

  1. السنن الكبرى ج ٦ ص ٣٠١ ↩︎
  2. صحيح البخاريّ ج 4 ص 1549، صحيح مسلم ج 3 ص 1380 ↩︎
  3. صحيح البخارىّ ج 4 ص 1126 ↩︎
  4. صحيح سنن الترمذي ج 4 ص 157 ↩︎
  5. مصنّف عبد الرزّاق ج4ص240 ↩︎
  6. مصنّف عبد الرزّاق ج4ص240 ↩︎
  7. وفيات الأعيان لابن خلّكان جـ 3 ص15 ↩︎
  8. البداية والنهاية ج5 ص253 ↩︎
  9. البداية والنهاية ج5 ص256 ↩︎
Scroll to Top