دلالة: «لا يتفرَّقا» الواردة في حديث الثقلين على وجود الإمام المهدي (ع)

وردنا سؤال:

كيف تُثبت عبارة «لن يفترقا أو لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» ضرورة وجود إمام حي من العترة الطاهرة في كل عصر، وهل يمكن الاستدلال بحديث الثقلين على استمرار الإمامة وعدم انقطاعها، وفقاً لهذا النص النبوي؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أن حديث الثقلين المتواتر ورد بصِيَغٍ متعدِّدةٍ، وأشهرُها: «إنِّي تاركٌ – أو مُخلِّفٌ – فيكمُ الثَّقلين أو الخليفتين – ما إن تمسَّكتم – أو اعتصمتم بهما لن تضلُّوا كتابَ اللهِ وعترتي أهلَ بيتي، – لن يفترقا – أو يتفرَّقا -حتَّى يردا عليَّ الحوضَ»، وإنَّ كلَّ صيغةٍ من صِيَغِ هذا الحديث تتضمَّنُ الدَّلالة على الإمامة العظمى، نقتصر على الفقرة المسؤول عنها «لن يفترقا – أو يتفرَّقا» فنقول:

قبل البدء في الإستدلال بالفقرة «لن يفترقا – أو يتفرَّقا» على استمرار الإمامة وعدم انقطاعها، إلى يوم القيامة لابد من ذكر الفرق بينهما عند أهل اللغة وقد سئُلَ ثعلباً عن الفرق بين (يتفرّقان) و (يفترقان)؟ فقال: أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضّل قال: يقال: (افترقا) بالكلام و(تفرَّقا) بالأجسام (١).

فعلى المعنى الأول (لن يفترقا) أنّ الافتراق المنفي بين العترة والقرآن هو الإفتراق في الكلام، بمعنى أنّ العترة في جميع أقوالها وأفعالها- لا تفترق عن القرآن، إذنْ: فلا يصدر عنها إلّا ما يوافق كتاب الله تعالى، ولأنّ القرآن كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالعترة تكون كذلك، فيلزم منه الدلالة على العصمة؛ لأنّ من لازم القرآن ولازمه القرآن لا يأتي معصية؛ إذْ لو أتاها لفارقه القرآن، والحديث يشهد بأنّه لا فراق بينهما؛ فإنّه لا يلازم إلّا من عَرف معانيه، وقد ثبت أنّ ابن عبّاس أكثر الصحابة علماً بالتأويل وقد قال: ما أخذتُ في تفسيره – أي القرآن – فعن عليّ، وقد أخرج الدارقطنيّ أنّ عمر سأل عليّاً عن مسألة فأجاب، فقال: أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن. ونظائر هذا كثيرة جداً [٢].

وأمّا على المعنى الثاني (لن يتفرّقا)، فإنّ المفارقة المنفية بين العترة والقرآن من حيث الوجود الخارجيّ، وهذا معناه أنّه لا بدّ من وجود إمام من العترة لا يفترق عن القرآن ولا يفترق القرآن عنه في كلّ زمان وفيه الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارةً إلى عدم انقطاع متأهّلٍ منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض [٣].

وبعد بيان الفارق اللغوي بين العبارتين فقد استدل علماء الإمامية بهذه العبارة على لزوم استمرار وجود الحجة: وطبقا لقاعدة (الاضطرار إلى الحجة) فالأرض لا تخلو من حجة لله من العترة الطاهرة ملازم للقرآن في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة لذا تُعد جملة «لن يفترقا أو يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» من أقوى الأدلة الروائية التي يستند إليها متكلمو الإمامية لإثبات وجود الإمام المهدي (عج) واستمرار إمامته في كل عصر، وذلك وفق الملازمات المنطقية التالية:

1- الملازمة بين الكتاب والعترة: يؤكد الحديث أن القرآن الكريم والعترة الطاهرة في حالة اقتران دائم لا ينقطع. وبما أن القرآن باقٍ وموجود بين المسلمين إلى يوم القيامة، فإن مقتضى “عدم الافتراق” هو وجود شخص من العترة يكون عِدلاً للقرآن ومصداقاً للتمسك به في كل زمان.

2- التأبيد في النفي: حرف “لن” في قوله «لن يفترقا» يفيد التأبيد والاستمرار المطلق. فلو خلا زمان من إمام معصوم من العترة، لوقع الافتراق بين الكتاب والعترة، وهو ما نفاه النبي صراحة.

3- بقاء الحجة شرط للنجاة: رتب النبي النجاة من الضلال على “التمسك بهما معاً” (ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا). وهذا يقتضي بقاءهما معاً؛ إذ لا يمكن التمسك بمعدوم، فتعين وجود إمام من العترة في كل عصر ليكون التمسك به ممكناً ومنجياً.

4- المصداق الحالي للعترة: يرى علماء مدرسة أهل البيت أن هذا الإمام الملازم للقرآن في هذا العصر هو الإمام المهدي بن الحسن العسكري (عج)، لعدم وجود من يدّعي الإمامة بالعصمة من العترة غيره، ولتحقق صفات “الثقل الأصغر” فيه.

وعليه فالنصٌّ صريح في استمرار وجود فرد من العترة مع القرآن إلى يوم القيامة، وهذا لا ينطبق إلا على الإمام المهدي (عج) لغيبته واستمرار وجوده.

والحمد لله رب العالمين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[١] – بدائع الفوائد لابن القيم ج٢ص ٩٨٢

[٢]- التنوير شرح الجامع الصغير ج٧ ص٣٣٥.

[٣] – فيض القدير في شرح الجامع الصغير ج٣ ص١٤، الصواعق المحرقة ج٢ ص٤٤٢.

Scroll to Top