وردنا سؤال:
إلى أي مدى شكلت مقولة (حسبنا كتاب الله) تحولاً في مرجعية الحسم التشريعي والسياسي خلال نازلة الخميس، وما هي بواعثها الحقيقية؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنَّ عبارة «حسبنا كتاب الله» قالها عمر بن الخطاب يوم رزية الخميس لما أمر النبي بإحضار كتف واداة ليكتب وصيته في مرضه الأخير قال: «هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، وفي لفظ آخر: «إئتوني بالكتف والدواة – أو: اللوح والدواة – أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً»، فاختلف الحاضرين، منهم من يقول: «قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده»، ومنهم من يقول ما قال عمر: «إنّ النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله». وفي لفظ آخر: فقالوا: «إنّ رسول الله يهجر أو هجر». – من دون تصريح باسم القائل-، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله». فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال النبي لهم: «قوموا عنّي لا ينبغي عند نبي التنازع».
وإذا عرفت ذلك فاعلم: عند التأمل في قول النبي: «لن تضلوا بعده» يكشف لنا فحوى الكتاب الذي أراد النبي كتابته فهو لم يكن أمرًا عاديًا، بل كان أمرًا مصيريًا يتعلّق بهداية الأمة بعده كما ذهب جملة من أعلام مخالفينا إلى إنَّ النبيَّ أراد أنْ ينصَّ على أسامي الخلفاء بعده حتَّى لا يقع فيهم الاختلاف [1].
ومن هنا يبرز سر منعهم النبي من تدوين كتابة الكتاب رغم اقتران أمره بغايةٍ حاسمة لرفع الاختلاف من بعده! فهو يكمن بعبارة: «لن تضلّوا بعده أبداً»، التي دفعت عمر ومن معه للقول يكفينا كتاب الله أو كتاب الله يغنينا عما تدعونا إليه، ولبيان ذلك وجهان:
الوجه الأول: أنَّ الأمر الذي جعله النبي أمان من الضلالة ينسجم مع مضمون حديث الثقلين الذي قال فيه النبي: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
فكما أن النبي ربط الهداية بعده بالتمسك بالقرآن والعترة، فإن قوله يوم الخميس: «لن تضلوا بعده» يشير إلى بيانٍ يثبت هذا المعنى ويؤكد مرجعية الثقلين من بعده.
الوجه الثاني: نقلت بعض المصادر التاريخية أنَّ عمر صرّح لاحقًا بأنَّ النبي أراد في مرضه أن يصرّح باسم علي بن أبي طالب، فمنع من ذلك خشية اختلاف قريش، كما نقل ذلك أحمد بن أبي طاهر البغدادي في كتابه: تاريخ بغداد، مسنداً، كما في شرح النهج قال: (وروى ابن عباس، قال: دخلت على عمر في اول خلافته .. هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلتُ: نعم، قال: أيزعم أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نص عليه؟ قلت: نعم، وازيدك سالت أبى عمَّا يدعيه، فقال: صدق، فقال عمر: لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في امره ذرو من قول لا يثبت حجة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام، لا وربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريشٌ أبداً ولو وليها لانتقضت عليه العرب من اقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه واله) أّنى علمت ما في نفسه، فامسك وأبى الله إلا امضاء ما حتم) [2].
وهذا النص يوضح أنَّ الاعتراض لم يكن مجرد اجتهاد عابر، بل كان مرتبطًا بالخوف من تثبيت أمر الخلافة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام).
والحمد لله رب العالمين




