علم الأئمة بجميع اللغات الألسن

نص الشبهة:

‏‏ قام أحدُ أتباع أدعياء السفارة بنشر مقالةٍ يذهب فيها إلى الاستحالة إحاطة الأئمة (عليهم السلام) بجميع اللغات والألسن؛ مستدلاً بأنّ الإحاطة بجميع اللغات تُعدّ من شؤون العلم الإلهي، وأنّ إثباته يستلزم المساواة مع الله تعالى، وهو باطلٌ بالضرورة. كما اعتبر أنّ نيل هذه الإحاطة يخرج عن الوسع البشري عادةً، لكثرة اللغات وتعدّدها. فهل بالإمكان الرد عليه؟

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم إنَّ ما نُسج من دعاوى وتبريرات في هذا الصدد، ليس في حقيقته إلا اعتذاراً مقنَّعاً عن قصور مدعي السفارة وعجزهم عن الإحاطة بلسان الأمم، ناهيك عن الإحاطة بجميع اللغات. وإنَّما دَفَعهم إلى إنكار ما تضافرت به الآثار من حيازة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) لعلوم الألسن كونها مِيْسماً للإمامة وشاهداً على صدق الدعوى؛ فأنكروا الأصل فراراً من لوازم الفشل. وهو زعمٌ مَدفوعٌ بما نُقرره في مقام الرد من الوجوه الآتية:

الوجهُ الأوّل: إنّ القولَ بإحاطةِ أئمّةِ الهُدى (عليهمُ السلام) بشتّى اللغاتِ والألسنِ لا يستلزمُ المساواةِ بالباري (جلّ شأنُهُ)؛ إذ شتّانَ بينَ العلمِ الذاتيِّ الواجبِ المحيطِ بالأشياءِ أزلاً، وبينَ العلمِ اللدنيِّ الموهوبِ الذي هو أثرٌ من آثارِ الفيضِ الإلهي. فعلمُهُم عَرَضيٌّ، مفتقرٌ في حقيقتِهِ ودوامِهِ إلى الغنيِّ المطلق؛ فما هم إلا خزنةُ علمِهِ، فالعلمُ منهُم مُستفادٌ وبِهِ تعالى مبدأُ الإيجاد.

الوجهُ الثاني: إنّ القولَ بإحاطةِ الأئمّةِ الهُداةِ (عليهم السلام) بجميعِ الألسنِ مِمّا لا يُحيله العقلُ، ولم يَقُم بَعْدُ في صريحِ الشرعِ ما يمنعُ نفوذَهُ، فهو مُمكِنٌ ذاتاً في حَقِّهم. وبِغَضِّ النظرِ عن ذلك، فثَمَّةَ قرائنُ عقليةٌ وشواهدُ اعتباريةٌ تَعضدُ ما استفاضَت به الأخبارُ في المقام، نُورِدُ شطراً منها فيما يأتي:

الأول: إنّ مقتضى الحجيّة لزومُ إحاطةِ الإمامِ بلغةِ المحجوجينَ به؛ إذِ اللسانُ هو الواسطةُ الوحيدةُ في إبلاغِ الأحكامِ وبيانِ المعارفِ الإلهيةِ، وحيثُ تقرَّرَ في محلِّهِ أنّ الأئمةَ (عليهم السلام) هُم حُجَجُ اللهِ على كافّةِ البريّةِ لا قصرًا على صنفٍ دونَ آخَرَ، استلزمَ ذلك عقلاً عِلمَهُم بشتّى اللغاتِ والألسنِ، لئلا يختلَّ غرضُ الهدايةِ وتتمَّ الحجّةُ على الخلقِ أجمعين.

وقد أُشير لهذا الوجه فيما رواه الصدوق بالإسناد إلى أبي الصلت الهرويّ، قال: «كان الرضا (عليه السلام) يكلِّمُ الناسَ بلغاتهم، وكان – والله – أفصحَ الناس وأعلمهم بكلِّ لسان ولغة، فقلتُ له يوماً: يا ابن رسول الله، إنّي لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها، فقال: يا أبا الصلت، أنا حجّة الله على خلقه، وما كان الله ليتّخذ حجّةً على قومٍ وهو لا يعرف لغاتهم» [1].

الثاني: إنّ مقتضى الحجية لزومُ ما يميز الإمام عن سائرِ البريّةِ بوفورِ الكمالاتِ وتَمامِ الخِصال، إذِ القولُ بمساواتِهِ لآحادِ الناسِ في المَلَكاتِ نَقضٌ لغرضِ من نصبه، فتعيّنَ ثبوتُ الإحاطةُ بالألسنِ واللغات، ليكونَ ذلك آيةً على مَقامِهِ ومناراً لِحُجِّيَّتِه، وإلّا لَـم يكن فرقٌ ومائزٌ بينه وبينهم.

وقد أشير لهذا الوجه فيما رواه الكليني بالإسناد إلى أبي حمزة نصر الخادم قال: سمعتُ أبا محمّد غير مرّة يكلِّم غلمانَه بلغاتهم: ترك وروم وصقالبة، فتعجّبتُ من ذلك وقلتُ: هذا وُلِد بالمدينة ولم يظهر لأحد حتّى مضى أبو الحسن ولا رآه أحد، فكيف هذا؟ – أحدِّثُ نفسي بذلك -، فأقبل عليَّ فقال: «إنّ الله تبارك وتعالى بيّن حجّته من سائر خلقه بكلّ شيء ويعطيه اللغات ومعرفة الأنساب والآجال والحوادث، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق» [2].

الثالث: إنّ مقتضى الحجية الإلهية مباشرتُه (عليه السلام) لخطابِ كافّةِ الأممِ بلسانِهم، تنزيهاً لساحتِهِ عن الافتقارِ للمترجم؛ إذ الحاجةُ لغيرِهِ في مقامِ بيان الأحكام نقضٌ للغرضِ، وهو ما يتنافى مع كمالِ الحجّةِ واستقلالِها.

وقد أشير لهذا الوجه فيما قاله أعلام الفرقة المحقة:

1ـ العلّامة المجلسيّ قال: (ومما يؤيّد أنّ الإمام وجب أن يكون عالماً بجميع اللغات: أنّه لو حضر عنده خصمان بغير لسانه ولم يوجد هناك مترجم لزم تعطيل الأحكام، وهو – مع استلزامه تبدّد النظام – يوجب فوات الغرض من نصب الإمام، ولذلك يجب أن يكون الإمام عالماً بجميع الأحكام) [3].

2ـ المولى المازندرانيّ قال: (يكلِّم كلَّ صنف من الناس بلغتهم من غير حاجةٍ إلى المترجم؛ لئلّا يفوت الغرض عند عدمه، ولا يلحقه النقص بالحاجة إلى الرعية) [4].

الوجهُ الثالث: الاستنادُ إلى النصوصِ المستفيضةِ عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، الدالّةِ بالصراحةِ على إحاطتِهم بسائرِ اللغات، وهي ممّا اعتنى بها أساطينُ المحدّثينَ، حيث أفردوا لها أبواباً في جوامعهم الحديثية؛ مثلما صنع الشيخِ الصفّار في «البصائر» [5] والشيخ الصدوقِ في «العيون» [6]، وغيرِهما من الأعلام، ونحنُ نقتصرُ في المقامِ على إيرادِ نماذجَ منها:

1ـ ما روي عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام):

روى المشايخ الصفّار الكلينيّ والمفيد بالإسناد إلى ابن أبي عمير، عن رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الحسن (عليه السلام) قال: إنّ لله مدينتين: إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب، عليهما سورٌ من حديد، وعلى كلّ واحد منهما ألف ألف مصراع، وفيها سبعون ألف ألف لغة، يتكلّم كلّ لغة بخلاف لغة صاحبها، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما، وما عليهما حجّة غيري وغير الحسين أخي» [7].

2ـ ما روي عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام):

روى الشيخ الصدوق بالإسناد إلى أبي الجارود قال: «سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام): بِمَ يُعرَف الإمام؟ قال: بخصالٍ أوّلها: نصّ من الله تبارك وتعالى عليه، ونصبه علماً للناس حتّى يكون عليهم حجّة؛ لأنّ رسول الله نصب عليّاً (عليه السلام) وعرّفه الناس باسمه وعينه، وكذلك الأئمة (عليه السلام) ينصب الأوّل الثاني، وأنْ يُسأل فيجيب، وأنْ يسكت عنه فيبتدئ، ويخبر الناس بما يكون في غدٍ، ويكلّم الناس بكلِّ لسان ولغة» [8].

3ـ ما روى عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):

روى الشيخان الصفّار والمفيد بالإسناد إلى عمّار بن موسى الساباط قال: قال لي أبوعبد الله (عليه السلام): «يا عمّار أبو مسلم فظلله وكساه وكسيحه بساطورا. قال: فقلت له: ما رأيتُ نبطياً أفصح منك بالنبطيّة، فقال: يا عمّار، وبكلّ لسان» [9].

4ـ ما روي عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام):

روى المشايخ الحميريّ والكلينيّ والمفيد والطبريّ بالإسناد إلى أبي بصير، عن أبي الحسن الماضيّ (عليه السلام)، قال: «دخلت عليه فقلت له: جعلت فداك، بِمَ يُعرَف الإمام؟ فقال: بخصالٍ: أمّا أولاهنّ: فشيء تقدّم من أبيه فيه وعرّفه الناس ونصبه لهم علماً حتّى يكون حجّة عليهم؛ لأنّ رسول الله نصب عليّاً (عليه السلام) عَلَماً وعرّفه الناس، وكذلك الأئمّة يعرفونهم الناس وينصبونهم لهم حتّى يعرفوه، ويُسأل فيجيب، ويُسكَت عنه فيبتدئ، ويخبر الناس بما في غدٍ، ويكلِّم الناس بكلّ لسان، وقال لي: يا أبا محمد، الساعة قبل أنْ تقوم أعطيك علامة تطمئنّ إليها. فوالله ما لبثت أنْ دخل علينا رجلٌ من أهل خراسان، فتكلّم الخراسانيُّ بالعربية فأجابه هو بالفارسيّة، فقال له الخراسانيّ: أصلحك الله! ما منعني أن أكلّمك بكلامي إلّا أنّي ظننتُ أنّك لا تحسن، فقال: سبحان الله! إذا كنتُ لا أحسنُ أجيبك، فما فضّلي عليك؟ ثمّ قال: يا أبا محمد! إنّ الإمام لا يخفى عليه كلامُ أحدٍ من الناس، ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه روح، بهذا يُعرَف الإمام، فإنْ لم تكن فيه هذه الخصال فليس هو بإمام» [10].

5ـ ما روي عن الإمام عليّ الرضا (عليه السلام):

روى الشيخ الصدوق بالإسناد إلى أبي الصلت الهرويّ قال: « كان الرضا (عليه السلام) يكلّم الناس بلغاتهم، وكان – والله – أفصح الناس وأعلمهم بكلّ لسان ولغة، فقلت له يوماً: يا ابن رسول الله، إنّي لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها، فقال: أنا حجّة الله على خلقه، وما كان الله ليتّخذ حجّةً على قومٍ وهو لا يعرف لغاتهم، أو ما بلغك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): أوتينا فصل الخطاب؟ فهل فصل الخطاب إلّا معرفة اللغات» [11].

6ـ ما روي عن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام):

روى الشيخ الكلينيّ بالإسناد إلى أبي حمزة نصر الخادم قال: «سمعتُ أبا محمّد غير مرّة يكلِّم غلمانَه بلغاتهم: ترك وروم وصقالبة، فتعجّبتُ من ذلك وقلتُ: هذا وُلِد بالمدينة ولم يظهر لأحد حتّى مضى أبو الحسن ولا رآه أحد، فكيف هذا؟ – أحدِّثُ نفسي بذلك -، فأقبل عليَّ فقال: إنّ الله تبارك وتعالى بيّن حجّته من سائر خلقه بكلّ شيء ويعطيه اللغات ومعرفة الأنساب والآجال والحوادث، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق» [12].

أقول: توجد أحاديث عامّة – وهي مستفيضة بل متواترة – تدلّ على سعة علمهم (عليهم السلام)، وهي بإطلاقها تشمل علمهم باللغات، ولهذا قال العلّامة المجلسيّ: (أقول: أمّا كونهم عالمين باللغات فالأخبار فيه قريبة من حدّ التواتر، وبانضمام الأخبار العامّة لا يبقى فيه مجال شكّ) [13].

والحاصل: إنّ الإحاطة بالألسنِ واللغاتِ ليست من الممتنعاتِ ذاتاً ولا من المنهيِّ عنها شرعاً، بل هي من الممكناتِ التي تقعُ في حيّزِ خوارق العادة؛ وحيث تقرَّرَ في محلِّهِ اختصاصُ حججِ اللهِ تعالى (عليهم السلام) بكراماتٍ باهرةٍ ومعاجزَ قاهرةٍ إثباتاً لمقامِهم، فلا مانع أن يخصَّهم الباري (عزَّ وجلَّ) بهذا العِلمِ اللدُنّي. وقد تظافرتِ الأدلةُ الموجبةُ لليقينِ أو الاطمئنانِ على ثبوتِ هذه الخصائص لهم، ما بينَ أحاديثَ متواترةٍ أو مستفيضة، مؤيَّدةً بالبراهينِ العقليةِ والشواهدِ الاعتباريةِ القائمةِ على لزومِ كمالِ الحجّةِ وتماميّةِ البلاغ.

والحمد لله ربّ العالمين.

  1. عيون أخبار الرضا ج2 ص251. ↩︎
  2. الكافي ج1 ص509 ↩︎
  3. مرآة العقول ج6 ص156. ↩︎
  4. شرح أصول الكافي ج6 ص108. ↩︎
  5. بصائر الدرجات ص353. ↩︎
  6. عيون أخبار الرضا ج2 ص250. ↩︎
  7. بصائر الدرجات ص359، وص513، الكافي ج1 ص463، الاختصاص ص291. ↩︎
  8. معاني الأخبار ص102. ↩︎
  9. بصائر الدرجات ص353، الاختصاص ص289. ↩︎
  10. قرب الإسناد ص339، الكافي ج1 ص285، الإرشاد ج2 ص224، دلائل الإمامة ص337. ↩︎
  11. عيون أخبار الرضا ج2 ص251. ↩︎
  12. الكافي ج1 ص509. ↩︎
  13. بحار الأنوار ج26 ص193 ↩︎
Scroll to Top