وردنا سؤال:
هل علوم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الواردة في الروايات مرتبةٌ واحدةٌ أو عدّة مراتب؟.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنّ الأخبار المتظافرة عن أئمّة الهدى (عليهم السلام) دلت على أنّ علومهم ليست ممّا يستوي في احتماله جميع الخلق، ولا ممّا تبلغه الأفهام على حدٍّ سواء، بل هي على مراتب متفاوتة بحسب ما يتهيّأ للنفوس من القوّة على التحمّل والإدراك؛ فإنّ منها ما هو من دقيق المعارف ولطيف الأسرار ممّا يضيق عنه صدر أكثر الناس، تضمن جوانب صعبة ومعقدة لا يستطيع تحمله على وجهه إلا هم (عليهم السلام) بما خصّهم الله به من مزيد الفضل وكمال المعرفة. ومنها ما لا يحتمله إلا الملائكة المقرّبون أو الأنبياء المرسلون أو المؤمنون الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان. وإذا تقرّر ذلك ظهر أنّ علومهم (عليهم السلام) ليست سنخًا واحدًا، بل تنقسم ـ بلحاظ قابليّة التحمّل والاحتمال ـ إلى ثلاثة أقسام:
النوع الأول: ما يتحمّله أهل البيت (ع) فقط:
إنَّ من مراتب علوم أئمة الهدى (عليهم السلام) ما هو سرٌّ مستسرٌ وصعبٌ مستصعبٌ لم يُؤمروا بالكشف عنه ولا بتبليغه؛ لعدم احتماله وفهمه على حقيقته، وهذا النوع لا يحتمله لا نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقربٌ ولا مؤمنٌ أمتحن الله قلبه بالإيمان، فلا يحتمله أحد غيرهم (عليهم السلام) كما دلَّت عليه طائفةٌ من الأخبار نذكر منها:
منها: ما رواه الكلينيُّ بسنده عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد، إنّ عندنا والله سراً من سر الله، وعلماً من علم الله، والله ما يحتمله ملكٌ مقرّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ ولا مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان، والله ما كلف الله ذلك أحداً غيرنا ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا ..» [1].
ومنها: ما رواه الصفّار بسنده: عن أبي الصامت قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول «إنّ من حديثنا مالا يحتمله ملكٌ مقرّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، ولا عبدٌ مؤمنٌ. قلتُ: فمن يحتمله؟ قال نحن نحتمله» [2] .
أقول: وهذا النوع من حديثهم الصعب الذي لا يحتمله الملك المقرب أو النبيّ المرسل ولا المؤمن الممتحن يُعَدُّ من أعلى مراتب علومهم .
النوع الثاني: ما أمروا بتبليغه للخواص الممتحنين من الشيعة ممن يقدر على تحمله، وهم ثلاث فئات من الخلق؛ الملك المقرب والنبي المرسل والمؤمن الممتحن قلبه بالإيمان كما دلَّت عليه طائفةٌ من الأخبار نذكر منها:
منها: ما رواه الكلينيّ بسنده عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام :.. وإنّ عندنا سراً من سر الله وعلماً من علم الله ، أمرَنا اللهُ بتبليغه ، فبلّغنا عن الله (عزَّ وجلَّ) ما أمرنا بتبليغه ، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حمالة يحتملونه حتى خلق الله لذلك أقواماً ، خُلقوا من طينةٍ خُلِقَ منها محمدٌ وآله وذريته (عليهم السلام) ومن نورٍ خلق الله منه محمداً وذريته وصنعهم بفضل رحمته التي صنع منها محمداً وذريته ، فبلغنا عن الله ما أمرنا بتبليغه ، فقبلوه واحتملوا ذلك [فبلغهم ذلك عنَّا فقبلوه واحتملوه] وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا ، فلولا أنَّهم خُلقوا من هذا لما كانوا كذلك ، لا والله ما احتملوه.
ثم قال : إنَّ الله خلق أقواماً لجهنَّم والنار ، فأمرنا أنْ نبلغهم كما بلغناهم واشمأزوا من ذلك ونفرت قلوبهم وردّوه علينا، ولم يحتملوه وكذَّبوا به وقالوا ساحرٌ كذاب ، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك ، ثم أطلق الله لسانهم ببعض الحق ، فهم ينطقون به وقلوبهم منكرة ؛ ليكون ذلك دفعاً عن أوليائه وأهل طاعته، ولولا ذلك ما عبد الله في أرضه ، فأمرنا بالكف عنهم والستر والكتمان فاكتموا عمَّن أمر الله بالكفّ عنه، واستروا عمّن أمر الله بالستر والكتمان عنه.
قال : ثم رفع يده وبكى وقال : اللَّهم إنَّ هؤلاء لشرذمةٌ قليلون فاجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم ولا تسلّط عليهم عدواً لك فتفجعنا بهم ، فإنَّك إنْ أفجعتنا بهم لم تُعبد أبدا في أرضك، وصلى الله على محمدٍ وآله وسلَّم تسليما » [3].
منها: ما رواه الصفار بسنده عن أبي حمزة الثماليّ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول: «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعبٌ لا يحتلمه إلَّا ثلاثٌ: نبيٌّ مرسلٌ، أو ملكٌ مقرَّبٌ، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان. ثم قال: يا أبا حمزة، الا ترى أنَّه اختار لأمرنا من الملائكة: المقرّبين، ومن النبيين: المرسلين، ومن المؤمنين: الممتحنين» [4].
ومنها: ما رواه العماد الطبريُّ بسنده عن صالح بن ميثم، عن أبيه قال: بينما أنا في السوق إذ أتاني الأصبغ بن نباتة فقال [ لي ] : ويحك يا ميثم لقد سمعتُ من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) حديثا صعبا شديداً فأمّا يكون كذلك ؟ قلتُ : وما هو ؟ قال : سمعتُه ( عليه السلام ) يقول :إنَّ حديثنا – أهل البيت – صعبٌ مستصعبٌ لا يحتمله إلَّا ملكٌ مقرَّبٌ، أو نبيٌّ مرسلٌ، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان .فقمتُ من فورتي، فأتيت علياً ( عليه السلام ) فقلتُ : يا أمير المؤمنين حديث أخبرني به الأصبغ بن نباتة عنك فقد ضقت به ذرعا ، قال : وما هو ؟ فأخبرته، قال : فتبسَّم ثم قال : اجلس يا ميثم أو كلُ علمٍ يحتمله عامل؟ إنَّ الله تعالى قال للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، فهل رأيتَ الملائكة احتملوا العلم ؟ قال : قلتُ : هذه والله أعظم من ذلك ، قال : والأخرى : إنَّ موسى ( عليه السلام ) أنزل الله (عزَّ وجلَّ) عليه التوراة فظنَّ أنْ لا أحد أعلم منه ، فأخبره الله (عزَّ وجلَّ) أنّ في خلقي من هو أعلم منك وذاك إذ خاف على نبيّه العجب ، قال فدعا ربَّه أنْ يرشده إلى العالم ، قال : فجمع الله بينه وبين الخضر فخرق السفينة فلم يحتمل ذاك موسى، وقتل الغلام فلم يحتمله وأقام الجدار فلم يحتمله ، وأما المؤمنون فإنَّ نبيَّنا ( صلى الله عليه وآله) أخذ يوم غدير خم بيدي فقال : اللَّهم من كنتُُ مولاه فعليٌّ مولاه، فهل رأيتَ احتملوا ذلك إلَّا من عصمه الله منهم ، فابشروا ثم أبشروا فإنَّ الله تعالى قد خصَّكم بما لم يخصّ به الملائكة والنبيين والمرسلين فيما احتملتم من أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلمه» [5].
ومنها: ما رواه الصفار بسنده عن الأصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين عليه السلام قال سمعته يقول «إنَّ حديثنا صعبٌ مستصعبٌ خشنٌ مخشوشٌ فانبذوا إلى الناس نبذاً، فمن عرف فزيدوه ومن أنكر فامسكوا، لا يحتمله إلَّا ثلاثٌ: ملكٌ مقرَّبٌ، أو نبيٌّ مرسلٌ، أو عبدٌ مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان» [6] .
ومنها: ما رواه الكليني بسنده: عن ابن سنان أو غيره رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: «إِنَّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُه إِلَّا صُدُورٌ مُنِيرَةٌ أَوْ قُلُوبٌ سَلِيمَةٌ أَوْ أَخْلَاقٌ حَسَنَةٌ إِنَّ اللَّه أَخَذَ مِنْ شِيعَتِنَا الْمِيثَاقَ كَمَا أَخَذَ عَلَى بَنِي آدَمَ {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فَمَنْ وَفَى لَنَا وَفَى اللَّه لَه بِالْجَنَّةِ ومَنْ أَبْغَضَنَا ولَمْ يُؤَدِّ إِلَيْنَا حَقَّنَا فَفِي النَّارِ خَالِداً مُخَلَّداً [7].
ومنها: ما رواه الصفار والكلينيُّ بالإسناد عن مسعدة ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكرتُ التقيَّة يوماً عند علي بن الحسين ع(ليهما السلام) فقال: والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينهما، فما ظنَّكم بسائر الخلق؟ إنَّ علم العلماء صعبٌ مستصعبٌ، لا يحتمله إلّا نبيٌّ مرسلٌ، أو ملكٌ مقربٌ، أو عبدٌ مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان..» [8].
النوع الثالث: ما أمروا بتبليغه للناس كافَّة، وهو كلُّ علمٍ صدر منهم ووصل إلى عامة الناس، ويقدرون على فهمه وتحمله.
والحمد لله رب العالمين




