وردنا سؤال:
هل تنحصر مَنابع علوم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في العلم الوراثي النقلي لحديث جدهم (صلى الله عليه وآله) كما يرى المخالفون، مثل -ابن تيمية في منهاج السنة- أم أنَّ مدرسة الحديث لدى الإمامية تُثبت لهم مصادر لدنّية خاصة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ المتتبع لبيانات العترة الطاهرة في التراث الحديثي يجد ما يدلُّ على تعدّد مصادر علومهم، وهي على قسمين رئيسيين:
القسم الأول: المصادر الوراثية:
ورث أئمة الهدى (عليهم السلام) جميع الأنبياء بتمام العلوم التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه من لدن آدم (عليه السلام) إلى النبيّ الخاتم، بتفاصيلها ودقائقها، وقد دلَّت على ذلك رواياتٌ كثيرةٌ نذكر بعضاً منها:
1ـ ما رواه الصفار والكلينيُّ بالإسناد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « يمصّون الثماد ويدعون النهر العظيم ، قيل له ، وما النهر العظيم؟ قال : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والعلم الّذي أعطاه الله ، إنّ الله عزّ وجلّ جمع لمحمّد (صلى الله عليه وآله) سنن النبيّين من آدم وهلّم جرّاً إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) قيل له : ما تلك السنن ؟ قال : علم النبيّين بأسره ، وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) صيّر ذلك كلّه عند أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال له رجلٌ : يا ابن رسول الله، فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيّين؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): اسمعوا ما يقول؟! إنّ الله يفتح مسامع من يشاء، إنّي حدّثته: أنّ الله جمع لمحمّد (صلى الله عليه وآله) علم النبيّين وأنّه جمع ذلك كلّه عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو يسألني أهو أعلم أم بعض النبيّين» [1].
2ـ ما رواه الصفار والكليني بالإسناد عن المفضل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّ سليمان ورث داود، وإنَّ محمّداً ورث سليمان، وإنّا ورثنا محمّداً وإنَّ هذا لهو العلم؟ قال: ليس هذا هو العلم، إنَّ العلم الّذي يحدث يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة» [2].
3ـ ما رواه الصفار والكلينيُّ والصدوق بالإسناد عن أبي بصير قال: «دخلتُ على أبى عبد الله (عليه السلام) فقلتُ له: .. جُعلتُ فداك، إنَّ الشيعة يتحدثون أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علَّم علياً (عليه السلام) باباً يُفتح منه ألف باب! قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد، علَّم – والله- رسولُ الله عليَّاً ألف بابٍ يفتح له من كلّ بابٍ الف بابٍ.. ثم قال: يا أبا محمد، وإنَّ عندنا الجامعة، صحيفةٌ طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملاء مِنْ فلقِ فيه، وخطّ علىٍّ بيمينه، فيها كلُّ حلالٍ وحرامٍ، وكلُّ شيءٍ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش، [ثم] قال إن عندنا الجفر مسك شاة أو جلد بعير.. فيه علم النبيين والوصيين .. ثم قال وان عندنا لمصحف فاطمة (عليه السلام) فيه مثل قرآنكم هذا ثلت مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد إنما هو شئ املاها الله وأوحى إليها .. ثم قال إن عندنا لعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ..» [3].
القسم الثاني: المصادر اللدُنّيّة:
تتمثل الروافد المعرفية لعلوم العترة الطاهرة في المَدَد الغيبي المتصل عبر طرقٍ غير معتادة عند عامة البشر؛ تمنح الإمام تسديداً واقعياً وزيادةً معرفية مستمرة في العلم لبيان مستجدات الأحكام وتفاصيل الحقائق، وهو ما يعبر عنه بـ (الارتباط بعالم الملكوت)، وهو لطفٌ إلهي يخصّ به من يشاء من عباده الصدّيقين، كما أُشير إليه في كتاب الله تعالى بقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65].
وقد وصفه الإمام الصادق (عليه السلام) وصفًا دقيقًا حين سأله عمّار الساباطي قائلًا: هل الإمام (عليه السلام) يعلم الغيب؟ قال:«لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله« [4] وله طرقٌ متعددة، نذكر منها ما يأتي:
الطريق الأول: يُتَنزّل في ليلة القدر:
إن العلم يُلقى إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) في ليلة القدر، بما يكون في السنة من خير أو شر، أو موت أو حياة، وبيانه فيما يلي:
1ـ ما رواه الصفّار بسنده، عن هشام، قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): قولُ الله تعالى في كتابه {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}؟ قال: «تلك ليلة القدر، يُكتب فيها وفدُ الحاج، وما يكون فيها من طاعة أو معصية، أو موت أو حياة، ويُحدث الله في الليل والنهار ما يشاء، ثم يُلقيه إلى صاحب الأرض».قال الحارث بن المغيرة البصري: قلتُ: ومن صاحب الأرض؟ قال:«صاحبكم»[5].
2ـ ما رواه الصفّار بسنده، عن المعلّى بن خُنَيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام):«إذا كانت ليلة القدر كَتَبَ الله فيها ما يكون، ثم يُرينيه».قال: قلتُ: إلى من؟ قال:«إلى من ترى يا أحمق« [6]
الطريق الثاني: يُتلقّى بواسطة عمود من نور:
إن العلم يُلقى إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) بواسطة عمود من نور، يُبصر به ما يعمل أهلُ كلّ بلدة، وبيانه فيما يلي:
1ـ ما رواه الصفّار بسنده، عن إسحاق الحريريّ، قال: كنتُ عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فسمعتُهُ يقول: «إنّ لله عمودًا من نور، حجبَه الله عن جميع الخلائق، طرفه عند الله، وطرفه الآخر في أُذن الإمام، فإذا أراد الله شيئًا أوحاه في أُذن الإمام« [7]
2ـ ما رواه الكليني بسنده، عن محمد بن مروان، قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنّ الإمام ليسمع في بطن أمّه، فإذا وُلِد خُطَّ بين كتفيه: {وتمّت كلمةُ ربك صدقًا وعدلًا لا مبدّلّ لكلماته وهو السميع العليم}. فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عمودًا من نور، يُبصر به ما يعمل أهلُ كلّ بلدة« [8].
الطريق الثالث: يُتلقّى بواسطة النقر في الأسماع:
إن العلم يُلقى إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) بواسطة النقر في الأسماع، وهو صوتاً مَلَكياً يسمعه الإمام دون رؤية عيان للمَلَك، وبيانه فيما يلي:
1ـ ما رواه الكلينيُّ بسنده، عن المفضّل بن عمر، قال: قلتُ لأبي الحسن (عليه السلام): روينا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: “إنّ علمَنا غابرٌ ومزبورٌ، ونكتٌ في القلوب، ونقرٌ في الأسماع”؟ قال: «أما الغابر، فما تقدّم من علمنا، وأما المزبور، فما يأتينا، وأما النكت في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملَك» [9].
2ـ ما رواه الكليني بسنده، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام):قلتُ: أخبرني عن علمِ عالمكم؟ قال:«وراثةٌ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن علي (عليه السلام) قلت: إنا نتحدث أنه يُقذف في قلوبكم، ويُنكت في آذانكم؟ قال: أوَ ذاك [10].
الطريق الرابع: يُتلقّى بواسطة الإلهام:
إن العلم يُلقى إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) بواسطة الإلهام الإلهي، وهو قذفٌ نوري وإشراق إلهي يقع في روع الإمام، فينكشف له وجه الحق في المسألة انكشافاً يقينياً لا يخالطه شك، دون حاجة إلى إعمال فكر أو استنتاج ظني وبيانه فيما يلي:
1ـ ما رواه الصفّار والمفيد بالإسناد، عن علي بن يقطين، قال: قلتُ لأبي الحسن (عليه السلام): علمُ عالمكم، استماعٌ أو إلهام؟ قال: «يكون سماعًا، ويكون إلهامًا، ويكونان معًا« [11]
2ـ ما رواه الصفّار بسنده، عن الحسن بن العباس بن حريش، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:«إنّ لنا في ليالي الجمعة لشأنًا من الشأن« قلت: جُعلتُ فداك، أيّ شأن؟ قال:«.. يُصبح الوصي والأوصياء قد أُلهِموا إلهامًا من العلم علمًا جمًّا مثل الجم الغفير، ليس شيء أشدّ سرورًا منهم..« [12].
الطريق الخامس: يُتلقّى بواسطة التحديث:
إن العلم يُلقى إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) بواسطة التحديث أي يسمع الإمام صوت المَلَك ويُلقى منه العلم اليقيني، دون أن يراه بالعين الباصرة، وبيانه فيما يلي:
1ـ ما رواه الكليني والصدوق بالإسناد، عن محمد بن إسماعيل، قال: سمعتُ أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «الأئمّة علماء، صادقون، مُفهَّمون، مُحدَّثون” [13].
2ـ ما رواه الكلينيُّ بسنده، عن عبيد بن زرارة، قال: أرسل أبو جعفر (عليه السلام) إلى زرارة: أنْ أعلم الحكم بن عتيبة أنَّ أوصياء محمد (عليهم السلام) محدَّثون [14]
الطريق السادس: يُتلقّى بواسطة روح القدس:
إن العلم يُلقى إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) بواسطة روح القدس وهو خَلْقٌ ملكوتي أعظم من جبرئيل وميكائيل، يُمثل واسطة الإمداد الدائم التي تمنع الإمام من الغفلة أو الخطأ؛ فهو الذي يسددهم ويوفقهم في بيان الحقائق، وبيانه فيما يلي:
1ـ ما رواه الصفّار والكلينيُّ بالإسناد، عن أبي بصير، قال : سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} قال : خلق من خلق الله (عزَّّ وجلَّ) أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده» [15].
2ـ ما رواه الكليني بسنده عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} قال : خلقٌ أعظم من جبرئيل وميكائيل ، لم يكن مع أحدٍ ممََّن مضى غير محمدٍ (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمة يسدّدهم ، وليس كلّ ما طُلِبَ وُجِد»[16].
والحمد لله رب العالمين
- بصائر الدرجات ج1 ص137، الكافي ج1 ص222 ↩︎
- بصائر الدرجات ج1 ص158، الكافي ج1 ص225 ↩︎
- بصائر الدرجات ج1 ص172، الكافي ج1 ص239، الأمالي ص737، الخصال ص572 ↩︎
- الكافي ج1، ص257 ↩︎
- بصائر الدرجات ج1، ص241 ↩︎
- بصائر الدرجات ج1، ص242 ↩︎
- بصائر الدرجات ج1، ص459 ↩︎
- الكافي ج1، ص387 ↩︎
- الكافي ج1، ص264 ↩︎
- الكافي ج1، ص264 ↩︎
- بصائر الدرجات ج1، ص337، الاختصاص، ص286 ↩︎
- بصائر الدرجات ج1، ص151 ↩︎
- الكافي ج1، ص271؛ عيون أخبار الرضا، ص22 ↩︎
- الكافي ج1، ص270. ↩︎
- بصائر الدرجات ج1 ص475، الكافي ج1 ص273 ↩︎
- الكافي ج1 ص273 ↩︎




