معنى: (إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر ..)

نص الشبهة:

اعترف عليّ (رضي الله عنه) بشرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، حيث قال في «نهج البلاغة» إن البيعة التي تمت له كانت من القوم الذين بايعوا هؤلاء الخلفاء، وأن الشورى تعود للمهاجرين والأنصار، وإذا اجتمعوا على رجل كإمام كان ذلك مرضياً لله. فما قولكم في هذا؟

نقض الشبهة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أن هذا اللفظ: «إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشّاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشّورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماما كان ذلك للّه رضى» جاء في كتاب أرسله أمير المؤمنين (عليه السلام) ردًا على كتاب لمعاوية، وقد رواه نصر بن مزاحم في كتابه: «وقعة صفين»، حيث قال: (عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبي ..) [1].

هذا الإسناد ضعيف من حيث انه اشتمل على رواة غير موثوقين، مثل: «عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي» متروك [2]. و«نمير بن وعلة» مجهول [3].

على الرغم من ضعف سند الرواية، فبالإمكان توجيه هذه الرسالة حيث سبقتها مجموعة رسائل ومنها: فلما كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) كتابا لمعاوية يقول فيه :  أمّا بعد .. فإنّ النّاس قتلوا عثمان عن غير مشورة منّي ، وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع ، فإذا أتاك كتابي فبايع لي ، وأوفد إليّ أشراف أهل الشّام قبلك … .

فأجاب معاوية: .. (أمّا بعد .. فإنّه ليس بيني وبين قيس عتاب ….غير طعن الكلى وضرب الرّقاب فَهَلْ مِنْ خالدٍ إنْ ما هلكْنا…..وَهَلْ بالموتِ يا للنّاسِ عارُ.

ولمّا فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من وقعة الجمل كتب إلى معاوية هذه الرسالة:

أمّا بعد .. فإنّ القضاء السّابق، والقدر النّافذ ينزل من السّماء كقطر المطر، فتمضي أحكامه عزّ وجلّ، وتنفذ مشيئته بغير تحابّ المخلوقين، ولا رضا الآدميّين، وقد بلغك ما كان من قتل عثمان، وبيعة النّاس عامّة إيّاي ومصارع النّاكثين لي، فادخل فيما دخل النّاس فيه، وإلاّ فأنا الّذي عرفت، وحولي من تعلمه، والسّلام

وأجاب معاوية عن هذه الرسالة برسالة كتب فيها البسملة ولم يسجّل فيها أي شيء، ولمّا قرأها أمير المؤمنين (عليه السلام) عرف أنّ معاوية مصمّم على حربهt أرسل هذه الرسالة مع جرير بن عبد الله البجلي أمّا بعد .. فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشّام؛ لأنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشّاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشّورى للمهاجرين والأنصار، إذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما كان ذلك لله رضا، وإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباع غير سبيل المؤمنين وولاّه الله ما تولّى، ويصليه جهنّم وساءت مصيرا. وإنّ طلحة والزّبير بايعاني ثمّ نقضا بيعتي ..

يتبين مما سبق أن الرسالة تعكس نوعًا من الإلزام والنقض على ما استند إليه معاوية في مراسلاته السابقة، لذا جاءت هذه الرسالة بهذا الشكل وبيانها بما يلي:

أحدهما: تضمنت الرسالة نوعًا من الجدل حيث كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بصدد الاحتجاج على معاوية وإلزامه بما يدَّعي الاِلتزام به، فمعاوية منصّب من قبل المشايخ الثلاثة، فلذا احتج أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه بما التزم به معاوية، فلذا قال: «لقد بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان …» إلزاماً منه له.

والثاني: تضمنت الرسالة التعريض ببيعةُ الخلفاء الثلاثة وأنها لم تكن بمشورة المهاجرين والأنصار وبيانها بما يلي:

أولاً: إنَّ بيعة أبي بكر لم تكن بمشورة المهاجرين والأنصار، وإنَّما كانت فلتةً كما هو معروف من كلام عمر قال: «.. إنَّه بلغني أنَّ قائلًا منكم يقول: واللهِ لو مات عمرُ لبايعتُ فلانًا، فلا يَغترَّنَّ امرؤٌ أن يقول: إنَّما كانت بيعةُ أبي بكرٍ فَلْتة وتمَّت، ألا وإنَّها قد كانت كذلك، ولكنَّ الله وقَى شرَّها..» [4].

 وثانياً: إنَّ بيعة عمر لم تكن بمشورة المهاجرين والأنصار، وإنَّما كانت بالتنصيص من قبل أبي بكر وحده، دون مشورة.

وثالثاً: إنَّ بيعة عثمان لم تكنْ بشورى المهاجرين والأنصار وإنَّما كانت بشورى بين المهاجرين فقط.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الميامين.

  1. وقعة صفين ص٢٧ ↩︎
  2. الجرح والتعديل ج٦ ص١١٢ ↩︎
  3. الجرح والتعديل ج٨ ص٤٩٨ ↩︎
  4. صحيح البخاريّ ج٨ ص١٦٨ ↩︎
Scroll to Top