معنى قول أمير المؤمنين (ع) إخواننا بغوا علينا

وردنا سؤال:

روى الحميريُّ في كتابه (قرب الإسناد) عن جعفر بن محمد أنَّه قال: “إن علياً لم يكن ينسب أحداً من حربه إلى الشرك أو النفاق، بل كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا “. فهل هذا الحديث يشير إلى أن أمر المؤمنين (عليه السلام) قد اعتبر مقاتليه مؤمنين لقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الْحُجُرَات: 10]؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أن هذا الحديث «إخوانُنا بغَوا علينا» من الشبهات التي تُثار عند الحديث عن موقف علي بن أبي طالب (عليه السلام) من محاربيه البغاة – الناكثين والقاسطين والمارقين-، ويُراد منها القول بأنه (عليه السلام) لم يُكفِّر مقاتليه البغاة، بل عدّهم إخوانًا، فكيف يُحكم عليهم بالكفر كما حكى متكلمو الإمامية ذلك عن ظاهر المذهب أن الخارج على أمير المؤمنين (عليه السلام) والمقاتل له كافر، بدليل إجماع الفرقة المحقة على ذلك، وإجماعهم حجة لكون المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ داخلا فيهم، وأن المحاربين له كانوا منكرين لإمامته ودافعين لها، ودفع الإمامة عندهم وجحدها كدفع النبوة وجحدها سواء، بدلالة قوله (صلى الله عليه وآله) “من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية”. وروي عنه (عليه السلام) أنه قال لعلي: “حربك يا علي حربي وسلمك سلمي” وحرب النبي كفر بلا خلاف، فينبغي أن يكون حرب علي مثله[1].

وعليه لابد من مناقشة الحديث من جهتين:

الجهة الأولى: إسناده ضعيف بالحسين بن علوان الكلبيّ، وهو عامي المذهب لم تثبت وثاقته وقد حكم الشيخ المفيد بشذوذ الحديث قائلا: (هذا خبر شاذّ، لم يأتِ به التواتر من الأخبار، ولا أجمع على صحّته رواة الآثار) [2].

الجهة الثانية: إنّ الإخوة المذكورة فيه إما ان يراد منها الأخوّة في الدين أو الأخوّة في العشيرة.

فالمعنى الأول: (الأخوّة في الدين) يراد من (إخواننا) إخوة في الدين (إخوة إيمانية) أي أنهم مؤمنون موحِّدون، لكنهم بغوا وخرجوا عليه بتأويلٍ خاطئ وهذا يعارض ما ورد في الأخبار عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، من حكمه لمحاربيه بالكفر على ما ذكره الشيخ المفيد من حديث يبين حكم مقاتي أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلا: (هذا خبر شاذّ، لم يأتِ به التواترُ من الأخبار، ولا أجمع على صحته رواة الآثار. وقد قابله ما هو أشهرُ منه عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأكثر نقلة، وأوضح طريقاً في الإسناد، وهو أنّ رجلاً سأل أميرَ المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة، والناس مصطفّون للحرب، فقال له: علامَ نقاتل هؤلاء القوم – يا أمير المؤمنين – ونستحلّ دماءهم وهم يشهدون شهادتنا، ويصلّون إلى قبلتنا؟ فتلا (عليه السلام) هذه الآية – رافعاً بها صوته -: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}، فقال الرجل حين سمع ذلك: كفّار، وربّ الكعبة، وكسر جفن سيفه ولم يزل يقاتل حتّى قُتل) [3].

والمعنى الثاني: (الأخوّة في العشيرة)، أي أنهم يجمعهم به الانتماء الاجتماعي أو عنوان القبلي العام، لا أنهم على حقٍّ ومؤمنين؛ إذ ورد في الأخبار أنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) فسَّر الحديث فيه وقداستشهد على ذلك بشواهد قرآنيّة حيث روى الشيخ العياشيّ: « أنّه جاء رجلٌ من أهل الشام إلى عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فقال: أنت عليّ بن الحسين؟ قال: نعم، قال: أبوك الذي قتل المؤمنين، فقال علي بن الحسين (عليه السلام): ويلك، كيف قطعت على أبي أنّه قتل المؤمنين؟ قال: قوله: «إخواننا قد بغوا علينا، فقاتلناهم على بغيهم»، فقال: ويلك، أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: فقد قال الله: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا}، فكانوا إخوانهم في دينهم أو في عشيرتهم؟ قال له الرجل: لا، بل في عشيرتهم، قال: فهؤلاء إخوانهم في عشيرتهم، وليسوا إخوانهم في دينهم » [4].

وروى الشيخ الطبرسيّ: « أن رجلاً من أهل البصرة جاء إلى عليّ بن الحسين (ع)، فقال: يا عليّ بن الحسين، إنّ جدّك عليَّ بن أبي طالب قتل المؤمنين، فهملت عينا عليّ بن الحسين دموعاً حتّى امتلأت كفّه منها، ثمّ ضرب بها على الحصى، ثمّ قال: يا أخا أهل البصرة، لا والله ما قتل عليٌّ مؤمناً، ولا قتل مسلماً، وما أسلم القوم ولكن استسلموا، وكتموا الكفر وأظهروا الإسلام، فلمّا وجدوا على الكفر أعواناً أظهروه، وقد علمت صاحبة الجدب والمستحفظون من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) أنّ أصحاب الجمل وأصحاب صفّين وأصحاب النهروان لعنوا على لسان النبيّ الأميّ وقد خاب مَن افترى. فقال شيخٌ من أهل الكوفة: يا عليّ بن الحسين، إنّ جدّك كان يقول: «إخواننا بغوا علينا»، فقال عليّ بن الحسين (عليه السلام): أما تقرأ كتاب الله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}؟ فهم مثلهم أنجى الله عزّ وجلّ هوداً والذين معه وأهلك عاداً بالريح العقيم » [5].

والحمد لله رب العالمين

  1. الإفصاح ص ١١٢- ١٢٩، و أوائل المقالات ص ٤٩، الجمل ج١ ص٧٠، و تلخيص الشافي ج٣ ص١٠٧ و ج٤ ص ١٣١- ١٣٣، الاقتصاد ص ٢٢٦ – ٢٣١. ↩︎
  2. الإفصاح ص١٢٥ ↩︎
  3. الإفصاح ص١٢٥ ↩︎
  4. تفسير العياشيّ ج٢ ص٢٣ ↩︎
  5. الاحتجاج ج٢ ص٤٠ ↩︎
Scroll to Top