وردنا سؤال:
فما معنى قول الإمام الصادق (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} قال: «نحنُ واللهِ الأسماءُ الحُسنَى التي لا يَقْبَلُ الله مِنَ العبادِ عملا إلاّ بمعرفتنا» [الكافي ج1 ص144]؟
الإجابة:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أنَّ الاسمَ اشتقاقٌ من وَسْمِ السِّمَةِ، فَهِيَ العلامةُ الدالةُ والأمارةُ الكاشفةُ؛ وإنّما جُعِلَ الاسمُ ليدلّ على المسمّى وِيُعرف به ويتميز عن غيره؛ فلابدّ حينئذ أنْ يكون الأسم غير المسمى؛ وهو ما استفاضَ في بَيانِ العترةِ الطاهرةِ، حيثُ رَوى الكلينيُّ بإسنادِهِ إلى الصادقِ (عليهِ السلام): قال: «الاسم غير المسمّى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد» [1]، وبذلك يظهر لك فساد ما ذهب إليه من العامّة الأشاعرة والماتريدية: «أنّ الاسم عين المسمى» [2].
وإذا عرفت ذلك، فاعلم أنَّ معنى قول الإمام (عليه السلام) «نحن – والله – الأسماء الحسنى» قد ذُكرت له عدّة تفسيرات ومعانٍ، نوجزها بالبيان التالي:
المعنى الأوّل: أنْ يكون المراد بالأسماء الحسنى أسماؤهم (عليهم السلام)، وإنّما نسبها الله تعالى إليه لأنَّه هو الذي سمَّاهم بها قبل خلقهم كما دلَّ عليه بعض الروايات مثل ما جاء في حديثٍ قدسيٍّ طويلٍ، فيه إشارة إلى أصحاب الكساء، يقول عزَّ من قائل مخاطبا نبيَّه آدم (عليه السلام) : «هؤلاء خمسة شققت لهم أسماءً من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس والجن، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين» [3].
المعنى الثاني: أنْ يكون المراد بالأسماء الحسنى ذواتهم القدسيَّة؛ فإنّها علاماتٌ ظاهرةٌ لوجود ذاته وصفاته، وصفاتهم النوريَّة بيّناتٌ واضحةٌ لتمام أفعاله وكمالاته، وإنّما وصفهم بالحسنى – مع أنَّ غيرهم من الموجودات أيضاً علاماتٌ وبيّناتٌ – لما وجد فيهم من الفضل والكمال، ولمع منهم من الشرف والجلال ما لا يقدر على وصفه لسان العقول ولا يبلغ إلى كنهه أنظار الفحول، فهم مظاهر الحق وأسماؤه الحسنى وآياته الكبرى، فلذلك أمر سبحانه عباده أنْ يدعوه ويعبدوه بالتوسل بهم والتمسّك بذيلهم ليخرجوا بإرشادهم عن تيه الضلالة والفساد ويسلكوا بهدايتهم سبيل الحق والرشاد، فهم مظاهر علمه وقدرته ورحمته وحلمه وسائر أسمائه وصفاته جلَّ وعلا، كما يشهد بذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو تجلّي لأسماء الله (الرحمن الرحيم والرؤوف)؛ ولذا وصفه جلّ وعلا بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، ومع أنّ الخلائق كلَّها من مظاهرِ أسماء الله الحسنى، إلا أنَّهم (عليه السلام) لمّا كانوا أكملَ خلقه تعالى فقد صاروا أجلى مظاهرِ أسمائه الحسنى.
المعنى الثالث: أنْ يكون المراد بالأسماء الحسنى أنَّهم الحافظون لأسماء الله الحسنى، المحيطون بمعرفتها، فيكون قوله (عليه السلام): «نحنُ – واللهِ – الأسماءُ الحُسنَى» على تقدير محذوف، أي أنَّ الأسماء الحسنى متعلِّقٌ بمحذوف فكأنَّه قال: نحن المحيطون بأسماء الله الحسنى؛ لذلك لا يقبل الله تعالى عملاً إلا بهم (عليهم السلام) وبمعرفتهم؛ لأنَّهم واجدون لهذا المقام وهو مقام الإحاطة بمعرفة أسماء الله تعالى، أي: مقام المعرفة بالطرق الموصولة إليه تعالى.
ويؤيّد هذا المعنى: ما رواه الكُلينيّ عن أبي حمزة الثُماليّ عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «يا أبا حمزة، يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلاً، وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلاً» [4]، فهم (عليهم السلام) محيطون بتلك الأسماء أي بتلك الطرق، فيكونون – حينئذٍ – هم الأدلاء عليه والموصلين إليه دون غيرهم من الخلائق بلا شكّ؛ ولذلك أناط قبول الأعمال بهم وبمعرفتهم وهذا ما جاء في كلام الصادق (عليه السلام) إذ يقول: «نحن الأدلاء على الله» [5].
والحمد لله رب العالمين




