نص الشبهة:
تفسر الإماميَّة الآية: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} على أنَّها نزلت في عليّ، وهذا الأمر يثير الشك في حكمة النبيّ، كيف يحيل المشركين إلى أحد أتباعه ويجعله شهيداً على صدق نبوته، وهو ما لا يقبله هؤلاء المشركون؟
جواب الشبهة:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنَّ مصادر الإماميّة لم تتفرّد بنقل نزول الآية الكريمة: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}[الرعد: 43] في أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل روت العامة ذلك أيضاً، نذكر بعضاً منهم:
1ـ روى الثعلبيُّ والحسكانيُّ بالإسناد إلى عبد اللّه بن عطاء قال: «كنتُ جالساً مع أبي جعفر الباقر في المسجد فرأيت ابن عبد اللّه بن سلام جالساً في ناحية، قلّتُ لأبي جعفر: زعموا أنّ الّذي عنده علم الكتاب عبد اللّه بن سلام؟! فقال: إنَّما ذلك عليُّ بن أبي طالب» [1]. وروى بالإسناد إلى ابن الحنفية: «{وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} قال: هو علي بن أبي طالب» [2].
2ـ روى ابن المغازليُّ بالإسناد إلى علي بن عابِس، قال: «دخلتُ أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، قال أبو مَريم: حدّث علياً بالحديث الذي حدّثتني عن أبي جعفر. قال: كنتُ عند أبي جعفر جالساً إذ مرّ عليه ابن عبد الله بن سلام، قلت: جعلني الله فداك، هذا ابنُ الذي عنده عِلمٌ من الكتاب؟ قال: لا، ولكنّه صاحبكم عليُّ بن أبي طالب الذي نزلت فيه آياتٌ من كتاب الله عزّ وجلّ: {الّذي عِنده عِلمٌ مِنَ الكِتاب}، {أفَمَنْ كانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّه وَيتْلُوُه شاهِدٌ مِنْه}، و{إنَّما وَليِّكُم اللهُ ورَسولُهُ } الآية» [3].
3ـ روى الحسكانيُّ بالإسناد إلى أبي سعيد الخدريّ قال: «سألت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) عن قول الله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}، قال: ذاك أخي عليّ بن أبي طالب» [4].
4ـ وروى بالإسناد إلى ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} قال: «[هو] علي بن أبي طالب» [5].
أقول: بعد أنْ اتّضح لك أنَّ الإمامية ليسوا الوحيدين الذين رووا أحاديث تثبت نزول الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنَّ العامة أيضاً لديهم أحاديث تتعلّق بذلك، فإنّ شهادته على صدق نبوَّة النبيّ وأنَّه مرسلٌ من قبل الله تعالى تعني أنّه ليس مجرّد تابع، بل إنَّ الآية تشير بوضوحٍ إلى أن الشهيد العالم بالكتاب هو العارف بالكتاب، الذي يدرك تفاصيله، ويعلم تفسيره وتأويله، ويعرف الناسخ والمنسوخ، ليشهد بأنَّه من عند الله تعالى، وأنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) قد أُرسل به.
وقد وردت رواياتٌ متظافرةٌ عندنا وعند العامّة تؤكّد ذلك من قبيل قول الحديث المتواتر لدى الفريقين: «إنيَّ تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب اللّه (عزَّ وجلَّ) وعترتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».
وكذا الحديث المشهور: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها». وغيرها من الأحاديث، معنى لإخبار اللّه تعالى رسوله أنهما لن يفترقا الى يوم القيامة أنَّه سيكون منهم إمامٌ في كلّ عصر، وأنَّ عنده علم الكتاب.
قال السيد الطباطبائيُّ: (وذكر بعضهم: أنَّ المراد بالكتاب القرآن الكريم، والمعنى أنَّ من تحمل هذا الكتاب وتحقق بعلمه واختص به فإنَّه يشهد على أنَّه من عند الله، وأنّي مرسلٌ به فيعود مختتم السورة إلى مفتتحها من قوله: {آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}، وينعطف آخرها على أولها وعلى ما في أواسطها من قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
وهذا في الحقيقة انتصارٌ وتأييدٌ منه تعالى لكتابه قبال ما أزرى به، واستهانه الذين كفروا حيث قالوا: {لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} مرةً بعد مرةٍ و {لَسْتَ مُرْسَلًا}، فلم يعبئوا بأمره ولم يبالوا به. وأجاب الله عن قولهم مرةً بعد مرةٍ ولم يتعرّض لأمر القرآن ولم يذكر أنَّه أعظم آية للرسالة، وكان من الواجب ذلك؛ فقوله: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} استيفاءٌ لهذا الغرض الواجب الذي لا يتمُّ البيان دونه، وهذا من أحسن الشواهد على ما تقدم أنَّ الآية كسائر السورة مكيَّة.
وبهذا يتأيّد ما ذكره جمعٌ ووردت به الروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أنَّ الآية نزلت في عليٍّ (عليه السلام)، فلو انطبق قوله: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} على أحدٍ ممن آمن بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذٍ لكان هو، فقد كان أعلم الأمة بكتاب الله وتكاثرت الروايات الصحيحة على ذلك، ولو لم يرد فيه إلَّا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين المتواتر من طرق الفريق: «لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» لكان فيه كفاية) [6].
والحمد لله رب العالمين


