ذُُكر في كتاب [الملحمة الحسينية للشيخ مرتضى مطهري ج1 ص١٢٩] أن الذين قاتلوا الحسين هم الشيعة كما في قوله: (ولا ريب في أن الكوفة كانوا من شيعة علي وأن الذين قتلوا الإمام الحسين هُم شيعتُه).
جواب الشبهة:
بسم الله الرحمن الرحيم
أن كتاب «الملحمة الحسينية» عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها المفكر الشيخ مرتضى مطهري «رحمه الله» في مناسبات متنوعة. ومن ثم جُمعت هذه المحاضرات في كتاب مكون من ثلاثة أجزاء. وقد تباينت آراء المفكرين حول هذا الكتاب، حيث شكك البعض في نسبته إليه، بينما أيده آخرون.
وعلى كل حال فإن العبارة المنسوبة إلى الشيخ المطهري تشير إلى أن الكوفيين من شيعة أهل البيت هم من قتل الإمام الحسين (عليه السلام) مما صار سبباً في اتهام الخصوم لنا بذلك، ولكن ذلك غير صحيح بعد الالتفات الى أمرين:
الأمر الأول: عند دراسة تاريخ المجتمع الكوفي ـ بعد الفتح ـ في حكومة الثاني، نجد أن المسلمين من مختلف الأعراق والاتجاهات السياسية والفكرية سارعوا إلى الاستقرار في هذه المدينة. وقد اجتمعت فيها قبائل قادمة من مناطق متنوعة وثقافات متعددة، مما أدى إلى تواجد تيارات فكرية وعقدية مختلفة. وقد عُرف هؤلاء في عهد معاوية بـ: (العثمانية – الشيعة ـ الخوارج ـ عامة الناس).
ويترتب على ذلك أنَّ سكنة الكوفة لم يكونوا كلهم من شيعة أهل البيت حتى يصح القول بان الذين خرجوا لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) من محبي أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما كان الشيعة لوناً من ألوان المجتمع الكوفي آنذاك كما بينا.
الأمر الثاني: عند تتبع الأخبار والسير، يتضح أن الذين أرسلوا الكتب للإمام الحسين (عليه السلام) ينتمون إلى فئات متنوعة، منهم شيعة أهل البيت، ومنهم من كان من العثمانيين الذين كانوا يخططون للغدر به، كما أشار (عليه السلام) بقوله: «وما كانت كتب من كتب إلي – فيما أظن – إلا مكيدة لي وتقربا إلى ابن معاوية بي» [1].
قال سيدنا المعظم الميلاني: (ولدى التحقيق يتبيّن أنّ الذين كتبوا إليه ينقسمون إلى قسمين: قسم كانوا شيعة للإمام (عليه السلام)، وهم: سليمان بن صرد وجماعته، وفراس بن جعدة. وقسم لم يكونوا شيعة للإمام (عليه السلام)، وهؤلاء على قسمين:
أ- الخوارج، أمثال «شبث بن ربعي ».
ب- حزب بني أميّة، أمثال «حجّار بن أبجر». [2]. وعليه، فلا يصح اطلاق القول بأن (الذين قتلوا الإمام الحسين هُم شيعتُه) كما تبيّن.
وعلى ذلك يمكن تقسيم المقاتلين للإمام الحسين (عليه السلام) إلى قسمين أساسيين:
الأول: شيعة آل أبي سفيان من أهل الشام:
قد اتبع معاوية سياسة التهجير القسري لموالي أهل البيت، حيث قام بإسكان أهل الشام وغيرهم من الموالين لبني أمية في الكوفة، كما يذكر المؤرخ ابن جرير الطبري قال: «وكان معاوية حين أجمع عليه أهل العراق بعد عليّ يُخرج من الكوفة المستغرب في أمر علي وينزل داره المستغرب في أمر نفسه من أهل الشام وأهل البصرة وأهل الجزيرة، وهم الذين يقال لهم النواقل في الأمصار» [3].
يتضح من ذلك أن الكوفة قد شهدت قدوم عدد كبير من الموالين لمعاوية من أهل الشام والبصرة وغيرهم كما اُشير لذلك في بيانات العترة بوصف الجيش الأموي المقاتل لأبي الضيم الحسين بن عليّ (عليه السلام) بجيش الشام ومن ذلك:
1ـ ما رواه الشيخ الكليني بسنده: عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين (عليه السلام) وأصحابه رضي الله عنهم بكربلا واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابه رضي الله عنهم وأيقنوا أن لا يأتي الحسين (عليه السلام) ناصر ولا يمده أهل العراق – بابي المستضعف الغريب -..» [4].
2ـ وما رواه الصدوق بسنده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) «.. وأقبل عدو الله سنان بن أنس الأيادي، وشمر ابن ذي الجوشن العامري (لعنهما الله) في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين (عليه السلام) ..» [5]
3ـ وما رواه الطوسي بسنده عن أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) قال: إن لآل أمية لعنهم الله ومن أعانهم على قتل الحسين من أهل الشام نذرا إن قتل الحسين عليه السلام وسلِم من خرج إلى الحسين، وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون فيه شكرا، فصارت في آل أبي سفيان سنة إلى اليوم في الناس، واقتدى بهم الناس جميعا لذلك، فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح في ذلك اليوم) [6].
الثاني: شيعة آل أبي سفيان من أهل الكوفة:
نظراً لمرور عشرين عاماً على حكم الأمويين، ظهرت فئات في الكوفة تُعرف بالعُثمانية، التي كانت تظهر عداءً لعلي (عليه السلام)، وقد سماهم الإمام الحسين (عليه السلام) شيعة آل أبي سفيان، كما روى في المصادر أنه قال لهم: «ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون» [7].
وقد قالوا للإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء: «نقاتلك بغضا منا لأبيك، ما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين» [8].
وصرح غير واحد من جيش الكوفة بأنه عثماني الهوى، أي على دين آل أبي سفيان.
فمثلاً، لما رجع كعب بن جابر -بعد قتله برير بن حضير القارئ – قالت له امرأته أو أخته النوار بنت جابر: أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء لقد أتيت عظيما من الامر، والله لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا.
وقال كعب بن جابر: سلي تخبري عني وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع ألم آت أقصى ما كرهت ولم يخل * على غداة الروع ما أنا صانع معي يزنى لم تخنه كعوبه * وأبيض مخشوب الغرارين قاطع** فجردته في عصبة ليس دينهم * بديني وإني بابن حرب لقانع ولم تر عيني مثلهم في زمانهم * ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع أشد قراعا بالسيوف لدى الوغا ألا كل من يحمى الذمار مقارع وقد صبروا للطعن والضرب حسرا * وقد نازلوا لو أن ذلك نافع** فأبلغ عبيد الله إما لقيته * بأني مطيع للخليفة سامع** قتلت بريرا ثم حملت نعمة ** أبا منقذ لما دعا من يماصع [9].
وروى الطبري بالإسناد عن يحيى بن هانئ بن عروة أن نافع ابن هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول: (أنا الجملي أنا على دين علي) قال: فخرج إليه رجل يقال له مزاحم ابن حريث فقال: (أنا على دين عثمان). فقال له (أنت على دين شيطان) ثم حمل عليه فقتله» [10].
ومن خلال هذا كله يتضح بطلان القول بأن الذين قتلوا الإمام الحسين هُم شيعتُه وأتباعه.
والحمد لله رب العالمين.


