بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أنَّ الأدلة التي أقامها علمائنا «أعلى الله برهانهم» تبعا لأئمتهم (عليهم السلام) على لزوم عصمة الإمام بدليل العقل والنقل كثيرة جدا وقد أوردها علمائنا في مصنفاتهم كآية الله العلامة الحلي (قدس سره)، في كتابه: (الألفين) ذكر نحو ألف ونيف وثلاثون دليلاً أغلبها تتعلق بعصمة الامام، كما أفرد السيد المحدث هاشم البحراني مصنفا، سماه: [عمدة النظر في بيان عصمة الائمة الاثني عشر ص48] . وقد اعتبر علمائنا الأبرار تبعا لأئمتهم (عليهم السلام) العصمة شرطًا أساسيًا في الإمامة، كما ورد في بعض الآثار، مثل ما رواه الشيخ الصدوق بسنده: عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «عشر خصال من صفات الإمام: العصمة، والنصوص، وأنْ يكون أعلم الناس وأتقاهم لله وأعلمهم بكتاب الله، وأنْ يكون صاحب الوصية الظاهرة ..» [1]، وكما صرح علماؤنا أن من شرط الإمام العصمة [2]، واعتبروها أيضا من أكبر الأصول الدالة على الإمامة واثباتها يغني عن كثير من المؤن مثلما صرح به الشريف المرتضى في رسائله [3].
لذا سنذكر بعض الادلة العقلية، ثم نقوم بتقرير الاستدلال لكل منها وهي ثمانية قصرا للإطالة فنقول:
الدليل الأول: الإمام يجب ان يكون حافظاً للشَرع، فيجب أَن يكون معصوماً ليؤمن منه الزيادة والنقصان.
وجه الاستدلال: لما كانت الشريعة المحمدية آخر الشرائع فهي لازمة لكل مكلف إلى الأبد وبعد أنْ انقطع الوحي بموت النبي (صلى الله عليه وآله) ومع عدم احاطة الكتاب والسنة بجميع تفاصيل الأحكام الجزئية فلابد من إمام يحفظ الدين من التحريف والتبديل ومرجعا لرفع الخلاف ومن كان كذلك لزم أنْ يكون معصوما من الزلل والخطأ لئلا يزيد في بعض الأحكام أو ينقص عمدا أو سهوا.
قال العلامة الحلي: (أن الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوما، أما المقدمة الأولى فلأن الحافظ للشرع ليس هو الكتاب لعدم إحاطته بجميع الأحكام التفصيلية ولا السنة لذلك أيضا ولا إجماع الأمة، لأن كل واحد منهم على تقدير عدم المعصوم فيهم يجوز عليه الخطأ فالمجموع كذلك، ولأن إجماعهم ليس لدلالة وإلا لاشتهرت ولا لأمارة إذ يمتنع اتفاق الناس في سائر البقاع على الأمارة الواحدة، كما نعلم بالضرورة عدم اتفاقهم على أكل طعام معين في وقت واحد، أو لا لهما فيكون باطلا، ولا القياس لبطلان القول به على ما ظهر في أصول الفقه وعلى تقدير تسليمه فليس بحافظ للشرع بالاجماع، ولا البراءة الأصلية لأنه لو وجب المصير إليها لما وجب بعثة الأنبياء وللاجماع على عدم حفظها للشرع فلم يبق إلا الإمام فلو جاز الخطأ عليه لم يبق وثوق بما تعبدنا الله تعالى به وما كلفناه، وذلك مناقض للغرض من التكليف وهو الانقياد إلى مراد الله تعالى.) [4].
الدليل الثاني: يجب أَن يكون متولياً لسياسة الرعيّة، فيجب أَن يكون معصوماً ليؤمن منه الظلم والجور والتعدّي في الحدود والتعزيرات .
وجه الاستدلال: من وضائف الإمام رياسة العباد حتى يتم به نظام النوع من إقامة الحدود والانتصاف للمظلوم من الظالم وهذا يقتضي عصمته ليؤمن جانبه من حدوث التعدي والتفريط في أحكامه فانّ الغاية من نصبه هداية الاُمّة، ولا يحصل ذلك إلاّ بالوثوق بقوله، والاطمئنان بصحة كلامه، فاذا جاز على الامام الخطأ والنسيان، والمعصية والخلاف، لأنتفى الغرض من نصبه.
قال العلامة الحلي: (إن الإمام مقيم للحدود والأحكام العامة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوطة بقوله وأمره ولا يجوز مخالفته فيها وكل من كان كذلك فهو يجب أن يكون معصوما، أما الصغرى فإجماعية ولاستحالة جعلها مفوضة بغير الرئيس العام أما الثانية فلأنها أمور كلية يتعلق بها الدماء وإراقتها وانتظام الدعوى والكل مبني على الاحتياط التام لا يجوز أن يجعل إلى غير المعصوم فإنه قد شوهد خبط غير المعصوم فيها وإجراؤها منه على غير سنن الشرع ثم المكلف الذي يبذل نفسه للجهاد والقتل إن لم يتيقن الثواب في فعله حصل له خوف فلا يجوز له الإقدام فيبطل ذلك كله ولأن نظام النوع على الوجه الأليق وعلى سنن الشرع لا يحصل من غير المعصوم غالبا بل حصوله من غير المعصوم محال فيجب أن يكون الإمام معصوما وهو المطلوب) [5].
الدليل الثالث: الإمام يجب أَن يكون معصوماً لوجوب الحاجة إليه بعد النبي فهو في مقام النبيّ ورتبته ما عدا النبوّة، فلا يجوز تنصيب غير المعصوم لأنّه قبيحٌ عقلاً والحق المتعالي لا يفعَلُ قبيحاً ولا يخلّ بواجب.
وجه الاستدلال: انّ الامامة مكملة لوضائف النبوة والرسالة، فلا مناص من لزوم عصمة الإمام، وذلك لأنّ تجويز المعصية يتنافى مع الغاية الّتي لأجلها نصبه اللّه سبحانه إماماً للاُمّة، وهذا نفس الدليل الّذي استدلّ به المتكلمون على عصمة الأنبياء، والامام وإن لم يكن رسولا ولا نبيّاً ولكنّه قائم بوظائفهما.
قال الشيخ المفيد: (إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء، وإنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء، وإنه لا يجوز منهم سهو في شئ في الدين ولا ينسون شيئا من الأحكام) [6].
الدليل الرابع: الإمام يجب أن يكون غير جائز الخَطأ واِلاّ لاحتاج إلى مدد، فيجب أن يكون معصوماً، وإلاّ تسلسل .
وجه الاستدلال: إنّ الامام لو لم يكون معصوما لاحتاج إلى امام آخر يسدده وكذا الإمام الآخر إذا لم يكن معصوما لاحتاج إلى امام آخر وهكذا إلى ما لا نهاية وهذا نقض الغرض من نصبه في رفع المعاصي من المكلفين ووقوع الطاعات وغير المعصوم مستلزم التسلسل والتسلسل باطل فوجب أن يكون الإمام معصوما.
قال العلامة الحلي: (إن المقتضى لوجوب نصب الإمام هو تجويز الخطأ على الرعية فلو كان هذا المقتضى ثابتا في حق الإمام وجب أن يكون له إمام آخر ويتسلسل أو ينتهي إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ فيكون هو الإمام الأصلي) [7].
الدليل الخامس: الإمام يجب أن يكون غير مداهن في الرعيّة وإلاّ وقَعَ الهرج والمرج، وغير المعصوم يجوز فيه ذلك فتنتفي فائدة نصبه فيجب أن يكون معصوماً .
وجه الاستدلال: من وضائف الإمام إقامة الحدود. فإذا لم يقم بذلك، ففائدة نصبه تنتفي ويقع الهرج والمرج ويختل نظام المجتمع، لذا يجب أن يكون معصومًا كما اُشير له في الرواية التي رواها الشيخ الصدوق بإسناده: عن محمد بن أبي عمير، قال: ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي إياه شيئا أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الامام، فإني سألته يوما عن الامام، أهو معصوم؟ قال: نعم. فقلت: وما صفة العصمة فيه، وبأي شئ تعرف؟ قال: إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص والحسد، والغضب، والشهوة، فهذه منفية عنه، فلا يجوز أن يكون حريصا على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه، لأنه خازن المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟ ولا يجوز أن يكون حسودا، لان الانسان إنما يحسد من هو فوقه، وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟ ولا يجوز أن يغضب لشئ من أمور الدنيا، إلا أن يكون غضبه لله عز وجل، فإن الله عز وجل قد فرض عليه إقامة الحدود، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله عز وجل، ولا يجوز أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة، لان الله عز وجل حبب إليه الآخرة كما حبب إلينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا ، فهل رأيت أحدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح، وطعاما طيبا لطعام مر، وثوبا لينا لثوب خشن ، ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية ؟ [8] .
الدليل السادس: الإمام يجب أَن لا يقع منه منكر، وإلاّ لزم ترك الواجب فلو وقع منه ذلك لأنكر عليه، فيجب أن يكون الإمام معصوماً .
وجه الاستدلال: إذا ارتكب الإمام خطأ، فإن ذلك يستدعي إنكار فعله، ويستلزم أنْ يكون أقل حالا من رعيته وهذا ينافي الغرض من تعيينه.
قال العلامة الحلي: (لو لم يكن معصوما لجازت المعصية عليه ، ولنفرض وقوعها وحينئذ يلزم إما انتفاء فائدة نصبه أو سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واللازم بقسميه باطل فكذا الملزوم .وإذا وقعت المعصية عنه ، فإما أن يجب الانكار عليه أو لا ، فمن الأول يلزم سقوط محله من القلوب ، وأن يكون مأمورا بعد أن كان آمرا ومنهيا عنه بعد أن كان ناهيا ، وحينئذ تنتفي الفائدة المطلوبة من نصبه وهي تعظيم محله في القلوب والانقياد لأمره ونهيه ، ومن الثاني يلزم عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو باطل إجماعا ) [9].
الدليل السابع: الإمام يجب أَن يكون مقتدى به في أقواله وأفعاله على الإطلاق، فيجب أن يكون معصوماً .
وجه الاستدلال: لما أوجب الله عز وجل على عباده طاعة الإمام وامتثال أوامره مطلقا كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} فلو لم يكن معصوما لجاز أن يأمر بالخطأ فإن وجب علينا اتباعه لزم الامر بالضدين وهو محال وإن لم يجب بطل العمل بالنص.
قال العلامة الحلي: (أنه لو وقع منه الخطأ لوجب الانكار عليه وذلك يضاد أمر الطاعة له بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} .. ولزم نقض الغرض من نصب الإمام) [10].
الدليل الثامن: الإمام يجب أَن يكون صادقاً على الإطلاق ليحصل الوثوق باخباره، فيجب أن يكون معصوماً .
وجه الاستدلال: أن الإمام إِذا جاز وقوع الكذب في كلامه لأرتفع الوثوق بإخباره والاعتماد عليه وسقط محله من القلوب، ولا يحصل الجزم بصدقه وهذا ينقض الغرض من نصبه فوجب أن يكون صادقا فيكون معصوم.
والحمد لله رب العالمين وصلّى الله، على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين

