الأدلة القُرآنيَّة على عصمة الأئمة (ع)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنَّ علمائنا الأبرار قد اتفقوا على عصمة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ، وقد استندوا في ذلك إلى العديد من الأدلة العقليَّة والنقليَّة، ومنها ما ورد في القرآن الكريم من آياتٍ ننتخب منها ثمانية نقوم بتوضيح الاستدلال تباعاً بكلٍ منها:

الدليل الأول: آية الإطاعة: وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59].

روى الصدوقان بالإسناد: عن أبي جعفر (ع)، في قول الله (عزَّ وجلَّ): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}. قال: «الأئمة من ولد عليٍّ وفاطمة (عليهم السلام) إلى أنْ تقوم الساعة» [1].

وجه الاستدلال: بعد أنْ ثبت المراد من (أولي الأمر) في الآية هم أئمتنا الاثنا عشر (عليهم السلام) الذين أوجب الله تعالى علينا طاعتهم بشكلٍ مطلقٍ كطاعة الرسول تماماً؛ فهما متساويتان في جميع الأوامر والنواهي، ووجوب الطاعة بشكلٍ مطلقٍ يستلزم العصمة؛ إذ لو لم يكن الإمام معصوماً عن الخطأ؛ لكان إقدامه على الأمر بالخطأ يؤدّي إلى اجتماع الضدّين وهما: الأمر بطاعته، والنهي عن فعل الخطأ في الوقت نفسه؛ لذا وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ.

الدليل الثاني: آية الولاية: وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55].

روى الكلينيُّ بسنده: عن أبي عبد الله (ع) في قول الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} قال: «إنَّما يعني أولى بكم أيْ: أحقّ بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم، الله ورسوله والذين آمنوا يعني عليا وأولاده الأئمة (عليهم السلام) إلى يوم القيامة، ثم وصفهم الله عز وجل فقال: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} .. فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة، يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون ..» [2] .

وجه الاستدلال: بعد أنْ ثبت المراد من {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} في الآية هم أئمتنا الاثنا عشر (عليهم السلام) فإنَّ الآية الشريفة تدلّ على عصمتهم (عليهم السلام)؛ إذ إنَّ ولاية الله والرسول مطلقةٌ فتفيد العموم، فكذا ولاية الأئمة المقرونة بها التي تفيد الاتحاد الشاملة للتشريع والتكوين، ولا يعقل أنْ تعطى مثل هذه الولاية المطلقة لغير المعصوم.

الدليل الثالث: آية الطهارة: وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33].

روى الكلينيُّ بسنده: عن أبي عبد الله (ع) في قوله (عزَّ وجلَّ): .. {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} قال: «يعني الأئمة (عليهم السلام)..» [3].

وجه الاستدلال: بعد أنْ ثبت المراد من (أهل البيت) في الآية هم أئمتنا الاثنا عشر (عليهم السلام) فالآية تدلّ على عصمتهم، حيث إنَّ الآية قد نَفَتِ (الرجس) بنحوٍ مطلقٍٍ؛ حيث إنَّ المنفيَّ في الآية هو عموم الرجس، وليس نوعه أو صنفه، ومن المعلوم أنَّ نفي الجنس يلازم نفي الطبيعة مطلقًا أي: بعامّة مراتبها؛ لذلك، لم يكتفِ سبحانه بقوله: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ}، بل عزَّز ذلك بقوله: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، مما يدلُّ على العصمة ويثبت المطلوب. [4].

الدليل الرابع: آية الكون مع الصادقين: وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

روى الصفَّار والكلينيُّ بالإسناد: عن أبي جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} قال «إيَّانا عنى» [5].

وجه الاستدلال: بعد أنْ ثبت المراد من (الصادقين) في الآية هم أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام) الذين أوجب الله أنْ نتبعهم مطلقا في الاعتقاد والأقوال والأفعال، يتضح أنَّ الأمر بالكون معهم يستلزم أنْ يكونوا معصومين؛ وإلَّا للزم اتباع من لا يؤمن عليه الأمر بالقبيح وهذا ينقض الغاية من نصب الإمام فتجب عصمته [6].

وأيضاً إذا لم يكونوا معصومين، فإنَّ المأمور بالكون مع الصادقين جائزُ الخطأ، فلابد له أنْ يكون مقتدياً بمن لا يجوز عليه الخطأ حتى يكون مانعاً لجائز الخطأ عن الخطأ [7].

الدليل الخامس: آية الإشهاد: وهو قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب} [الرعد: 43].

روى الصفَّار والكلينيُّ بالإسناد عن أبي جعفر (ع) في قوله: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب}؟ قال: «إيانا عنى..» [8].

وجه الاستدلال: بعد أنْ ثبت المراد من (وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب) في الآية هم أئمتنا الاثنا عشر (عليهم السلام) فإنَّ الله تعالى قرن النبي والأئمة بنفسه في الإشهاد على نحو الإطلاق، وهذا يقتضي صدقهم مطلقاً فتلزم عصمتهم.

الدليل السادس: آية الولاية  وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [الأحزاب: 55].

روى الكليني بسنده: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} قال: إن الله تعالى أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم ولكنه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته، حيث يقول: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} «يعني الأئمة منا» [9] .

وروى الكليني بسنده: عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} قال : «إنما يعني أولى بكم أي أحق بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم، الله ورسوله والذين آمنوا يعني عليا وأولاده الأئمة عليهم السلام إلى يوم القيامة ، ثم وصفهم الله عز وجل فقال : {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاة الظهر وقد صلى ركعتين وهو راكع وعليه حلة قيمتها ألف دينار ، وكان النبي صلى الله عليه وآله كساه إياها ، وكان النجاشي أهداها له ، فجاء سائل فقال : السلام عليك يا ولي الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم ، تصدق على مسكين ، فطرح الحلة إليه وأومأ بيده إليه أن احملها : فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية وصير نعمة أولاده بنعمته فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة ، يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون ..» [10] .

وجه الاستدلال: بعد أنْ ثبت المراد من {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} في الآية هم أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام) فأنَّ الآية الشريفة تدلّ على عصمة أئمة الهدى (عليهم السلام) لثبوت إطلاق الولاية التي قرنت بولاية الله (عز وجل) والرسول وغير المعصوم لا تُقرَن ولايته على هذا النحو، ولا يجوز أن يأمر الله بطاعة مطلقة لشخص يأمر بالمعصية، فيجب أن يكون ولي الأمر معصوماً.

بناءً على ذلك، فإن الآية تدل على أن ولي الأمر (الإمام) يجب أن يكون معصوماً عن الخطأ والزلل، لأن الله يأمر بطاعته المطلقة.

الدليل السابع: آية أهل الذكر وهو قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

روى الصدوق بسنده: عن الريان بن الصلت، قال: حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمرو، وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان، فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية… فقال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): فنحن أهل الذكر الذين قال الله في محكم كتابه: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}..» [11].

وروى الخزاز القمي بسنده: عن ابن أخت شعيب العقرقوفي، عن خاله شعيب قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) إذ دخل إليه يونس .. فقال (عليه السلام): ليونس: «إذا أردت العلم الصحيح فعندنا فنحن أهل الذكر الذين قال الله عز وجل: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [12].

وجه الاستدلال: بعد أنْ ثبت المراد من (أهل الذكر) في الآية هم أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام) فالآية تدلّ على عصمتهم، حيث أمر اللّه (عز وجل) بسؤالهم على نحو مطلق، وهو يستلزم وجوب القبول منهم في كلّ شيء ـ وإلاّ لزم لغوية الأمر المطلق بسؤالهم ـ ولا معنى للعصمة إلاّ هذا فيثبت المطلوب.

بناءً على ذلك، فإن الآية تدل على أن أهل الذكر (الإئمة) يجب أن يكونوا مصومين عن الخطأ والزلل، لأن الله أمرنا ان نسألهم بنحو مطلق فتجب عصمتهم.

الدليل الثامن: آية الابتلاء وهو قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124].

روى الصدوق بسنده عن المفضل بن عمر ، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال : سألته عن قول الله عز وجل : {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} ما هذه الكلمات ؟ قال : هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهو أنه قال : يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين الا تبت علي ، فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم . فقلت له : يا ابن رسول الله فما يعني عز وجل بقوله ” فأتمهن ” ؟ قال : يعني فأتمهن إلى القائم عليه السلام اثني عشر إماما تسعة من ولد الحسين …» [13].

وجه الاستدلال: ان الاِمام يجب ألا يكون مخطئاً أصلاً، وإلاّ لكان ظالماً في ذلك المصداق بالذات، فيشمله انه من الظالمين، فلا يمكن ان يناله عهد الله تعالى، فيجب ان يكون معصوماً مطلقاً.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الميامين.

  1. الإمامة والتبصرة ص134، عيون أخبار الرضا ج2 ص13 ↩︎
  2. الكافي ج1 ص289 ↩︎
  3. الكافي ج1 ص423 ↩︎
  4.  تفسير التبيان ج8 ص340 ↩︎
  5. بصائر الدرجات ج1 ص51، الكافي ج1 ص208 ↩︎
  6. المناقب ج1 ص213 ↩︎
  7. مفاتيح الغيب ج16 ص167 ↩︎
  8. بصائر الدرجات ج1 ص236، الكافي ج1 ص229 ↩︎
  9. الكافي ج1 ص146 ↩︎
  10. الكافي ج1 ص289 ↩︎
  11. الأمالي ص624، عيون أخبار الرضا (ع) ج1 ص216 ↩︎
  12. كفاية الأثر ص258 ↩︎
  13. الخصال ص310 ↩︎
Scroll to Top