الحاجة إلى الأئمة بعد النبي

نص الشبهة:

لا تحتاج الأمة إلى أئمّةٍ بعد الرسل لأنَّ كُلَّ ما يجبُ أن ينزلَ قد نزلَ على نبيّهِ كما في قوله {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: ٣٨].

جواب الشبهة:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنَّ الحاجة الداعية إلى الإمام بعدَ النبي (صلى الله عليه وآله) لكونه حافظ للشرع به يتحقق الغرض من نصبه وبيانُه مِن مُقدّمتين:

المُقدّمةُ الأولى: أنَّ الأمَّة لم تستغنِ بالكتاب والسنة في رفع الخلاف بعد نبيِّها عن أئمَّةٍ هداةٍ معصومين، أمر الله تعالى بالرَّد إليهم ليرشدوا ضالَّها ويعلِّموا جاهلها ويزيلوا الاختلاف من بينها، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: ٣٨].

روى الكلينيُّ بالإسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) – في حديثٍ طويلٍ – قال عزَّ وجلَّ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ}، فردَّ الأمر – أمر النَّاس – إلى أولي الأمر منهم، الذين أمر الله بطاعتهم والردّ إليهم [1]. وفي خبر آخر عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: هم الأئمة المعصومون (عليهم السلام) [2].

بعد أن اتضح لك عدم الاستغناء بالكتاب والسُّنَّة في رفع الاختلاف بين الأمَّة، فلابدَّ من إمامٍ في كلِّ عصرٍ يرفع عن الأمَّة الاختلاف.

المُقدّمةُ الثانية: أن الكتابِ والسنّةِ لم يحيطا بجميع تفاصيلِ أحكامِ الجُزئيّاتِ الواقعةِ إلى يومِ القيامة فلابدَّ مِن إمامٍ قيّمٍ مُبينٍ ومُفسّرٍ لمجمل ما ورد في الكتابِ والسُّنّةِ وحافظٍ لهُما منَ التحريفِ والتبديل، لذا؛ قال العلامة الحلي: (أن الإمام حافظ للشرع لأن الحافظ للشرع ليس هو الكتاب والسنة لوقوع النزاع فيهما ولعدم إحاطتهما بجميع الأحكام التفصيلية) [3].

أقول: لم تقتصر الحاجة إلى الإمام في رفع الاختلاف وحفظه للشرع فقط، بل توجد أسبابٌ أخر نذكر منها:

1 ـ الحاجة للإمام لكونه أمانًا لأهل الأرض:

بحسب مقتضى قاعدة (اللطف) التي تنصُّ على ضرورة وجود الإمام في كلِّ زمان، يغذِّي ديمومة بقاء المجتمع البشريّ، كما أُشير له في الحديث المشهور لدى الفريقين: «لا تخلو الأرض من حجَّةٍ لله فيها ظاهرٍ مشهورٍ، أو غائبٍ مستورٍ، لكيلا تبطل حجج الله وبيِّناته». وفي لفظٍ آخر: «لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجَّةٍ إمَّا ظاهرٌ مشهورٌ، وإمَّا خائفٌ مغمورٌ؛ لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته فيكم» [4].

وقد روى الصدوق بإسناده إلى جابر بن يزيد الجعفيّ قال: قلتُ لأبي جعفر محمد بن عليّ الباقر (عليه السلام): أيُّ شيءٍ يحتاج إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) والإمام؟ فقال: «لبقاء العالم على صلاحه، وذلك إنَّ الله عزَّ وجلَّ يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيّ أو إمام. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}. وقال النبي (ص): النجوم أمانٌ لأهل السماء وأهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون. يعني بأهل بيته الأئمَّة الذين قرن الله عزَّ وجلَّ طاعتهم بطاعته، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}. وهم المعصومون المطهَّرون الذين لا يذنبون ولا يعصون، وهم المؤيَّدون الموفَّقون المسدَّدون، بهم يرزق الله عباده، وبهم يُمهل أهل المعاصي، ولا يعجِّل عليهم بالعقوبة والعذاب. لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم. صلوات الله عليهم أجمعين» [5].

2 ـ الحاجة للإمام لكونه معصومًا:

أنَّ الأمَّة يجوز عليها الخطأ والسهو والنسيان؛ لذا من الضَّروري وجود إمامٍ معصومٍ يحفظ لهم الشرع ويمنع الخلاف ويردع ظلم الظالمين.

فإذا لم يكن معصومًا، لافتقر إلى إمامٍ آخر، وهذا يؤدِّي إلى التسلسل، وهو محال، ولجاز أنٍ يخطئ ويسهو ويفتي بغير الحق جهلًا أو عمدًا، وأنْ يعصي، فإن وجب اتِّباعه، لاختل أمر الشرع، وهو باطلٌ بالإجماع، وبه تنتفي الحاجة الداعية إليه.

قال السيِّد المرتضى: (أنَّ علَّة الحاجة إلى الإمام هي أنْ يكون لطفًا للرعيَّة في الامتناع من القبيح وفعل الواجب، على ما اعتمدناه ونبَّهنا عليه. فلا يخلو من أن تكون علَّة الحاجة إليه ثابتةً فيه أو مرتفعةً عنه، فإن كانت موجودةً فيه، فيجب أنْ يحتاج إلى إمامٍ كما احتيج إليه؛ لأنَّ علَّة الحاجة لا يجوز أنْ تقتضيها في موضعٍ دون آخر؛ لأنَّ ذلك ينقض كونها علَّة، وهذا يقتضي إمَّا الوقوف على إمامٍ ترتفع عنه علَّة الحاجة، أو وجود أئمَّةٍ لا نهاية لهم، وهو محال، فلم يبق بعد هذا إلَّا أنَّ علَّة الحاجة إليه مفقودةٌ فيه، ولن يكون ذلك إلَّا وهو معصومٌ ولا يجوز عليه فعل القبيح) [6].

3ـ الإمام شاهد على الخلق:

من وظائفه أن يكون شهيداً على أعمال الخلائق كما اُشير له في الآية: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيدا} [البقرة: ١٤٣]. فقد روى الكليني والصفار بالإسناد عن بريد العجلي أنه: سئل إمامي الهدى مولانا الباقر والصادق (عليهما السلام)، عن قول الله عز وجل: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ} قالا (عليهما السلام): «نحن الأمة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه» [7].

4 ـ الإمام هاديا بأمر الله تعالى:

إن الإمام (عليه السلام) من خلال ولايته التكوينية على النفوس يمتلك القدرة على إيصال نور الهداية إلى القلوب بطريقة غيبية ملكوتية، وهو ما يُعرف بالهداية الأمرية كما اُشير له في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاة} [سورة الأنبياء: 21]، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنا مِنْهُم أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا} [السجدة: 24]، فقد روى الخزاز القمي بسنده: عن زيد بن علي عليه السلام قال : كنت عند أبي علي ابن الحسين عليه السلام إذ دخل عليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فبينما هو يحدثه إذ خرج أخي محمد من بعض الحجر ، فأشخص جابر ببصره نحوه ثم قام إليه فقال : يا غلام أقبل فأقبل ثم قال : ادبر فأدبر ، فقال : شمائل كشمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما اسمك يا غلام ؟ قال : محمد . قال : ابن من ؟ قال : ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، قال : أنت إذا الباقر . قال : فابكى عليه وقبل رأسه ويديه ثم قال : يا محمد إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرئك السلام . قال : على رسول الله أفضل السلام وعليك يا جابر بما أبلغت السلام .ثم عاد إلى مصلاه ، فأقبل يحدث أبي ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي يوما : يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه مني السلام فإنه سمي وأشبه الناس بي علمه علمي وحكمه حكمي ، سبعة من ولده أمناء معصومون أئمة أبرار ، والسابع مهديهم الذي يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما . ثم تلا رسول الله (صلى الله عليه وآل) {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [8].

والحمد لله رب العالمين

  1. الكافي ج١ ص٢٩٥ ↩︎
  2. وسائل الشيعة ج27 ص200 ↩︎
  3. الألفين ص٧٠، ١٧٢، ١٧٤، كشف المراد ص٤٩٣ ↩︎
  4. أمالي الصدوق ص٢٥٣، كمال الدين ص٢٨٩-٢٩٤، حلية الأولياء ج١ ص٧٩ ↩︎
  5. علل الشرائع ج١ ص١٢٥ ↩︎
  6. المقنع في الغيبة ص٣٦ ↩︎
  7. الكافي ج1 ص190، بصائر الدرجات ص84 ↩︎
  8. كفاية الأثر ص303 ↩︎
Scroll to Top