وجه الاستدلال بآية الولاية على الإمامة

بسم الله الرحمن الرحيم

أنَّ آية الولاية استدلّ به الشيعة الإماميّة على‏ الإمامة لذا قبل البدء بالاستدلال لابد أنْ نبين بعض مفردات الآية الكريمة، وهي:

الأولى: مفردة {إِنَّما}: وهي تفيد الحصر، فتُثبِت الحكم لِـما يأتي بعدها وتنفيه عن غيره، وهذا معروفٌ عند علماء اللغة، ونصّ عليه الفرّاء وابن فارس والزجّاج والفارسيُّ والزمخشريُّ والرضيُّ وغيرهم [1].

وبناءً عليه، تفيد هذه المفردة قصر الولاية في هذه الآية الكريمة على الثلاثة المذكورين بالتسلسل: الله تعالى، الرسول، الذين آمنوا، قال الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}. وهذه تعـدّ قرينةً على أنّ المراد بـ(الولي) معنىً مخصوص، وليس المراد هو الموالاة في الدين؛ لأنّ الآية تحصر الولاية في الثلاثة المذكورين، بينما الموالاة في الدين عامّة.

الثانية: مفردة {وَلِيُّكُمُ}: ذهب علماء الشيعة -تبعاً لأئمّتهم (عليهم السلام)- إلى أنّها تفيد معنى ولاية الأمر. ولبيان وجه ذلك نقول:

أولا: لو بُني على أنّ لفظ (الوليّ) مشتركٌ معنويٌّ – كما ذهب إليه أساطين علماء الفرقة المحقّة (أعلى الله برهانهم) – فهو موضوع لمعنى الأحقّ والأولى، فتتمّ دلالة الآية الكريمة على المطلوب.

وثانيا: ولو بُني على أنّه مشتركٌ لفظيٌّ على غرار لفظ (العين) الذي يشترك معناه الموضوع في الباصرة والماء والجاسوس وغيرها، فيكون تعيين المعنى الذي استُعمل فيه اللفظ المشترك إنّما هو بالقرينة المعيّنة له، ولو رجعنا إلى القرائن اللفظيّة والحاليّة لآية (الولاية) نجدها تعيّن المعنى الذي تقصده الإماميّة وهو الأولويّة والأحقيّة بالأمر الثابتة للَّه وللرسول (صلى الله عليه وآله) فهي ثابتةٌ للذين آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، ومن جملة القرائن الدالّة على تعيّن معنى الأولويّة والأحقيّة بالأمر في الآية الكريمة:

1- الاطّراد: وهو أنّ اللفظ إذا كان موضوعاً لمعنىً عامّ ولكن كثر استعماله في أحد مصاديقه، فإنّ كثرة الاستعمال توجب ظهوره في ذلك المصداق عند إطلاقه دون الحاجة لقرينة، وقد ذكر العلماء: أنّ كثرة الاستعمال قرينةٌ على الانصراف. نظير لفظ (الرسول) الموضوع لأيّ شخصٍ أُرسل إلى جماعةٍ أو فرد، ولكن لـمّا كثر استعماله للدلالة على النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) صار ذلك موجباً لظهور اللفظ فيه، ونظير لفظ (العين) الموضوع للباصرة والنابعة والجاسوس، ولكن كثرة استعماله في الباصرة أوجب ظهوره فيها عند عدم القرينة، وكذلك كلمة (الولاية) في الآية الكريمة، فإنّ كثرة الاستعمال القرآنيّ لها بمعنى الأولى بالتصرّف في عشرات الآيات، وكذلك في الأحاديث الشريفة، توجب انصراف اللفظ لها.

2ـ الاقتران: فإنّ الولاية المذكورة في الآية لا تشير إلى علاقةٍ بين أفرادٍ متساوين في الدرجة، بل هي تعبّر عن ولاية فردٍ متميّزٍ على الآخرين، وهذا يتضح من اقتران ولاية {وَالَّذِينَ آمَنُوا} بولاية الرسول وولاية الله تعالى، حيث يتمُّ وصفهم بمستوىً عالٍ من العبادة والتقوى، كما يتجلّى في قوله: {يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}؛ لذا لا يمكن فهم الآية على أنها تعبّر عن تبادل للولاية، بل تشير إلى ولاية الرسول على المؤمنين، وكذلك إلى دور المؤمنين في الحكومة والإدارة الاجتماعيَّة والسياسيَّة.

3ـ القيود: وهو أنَّ الآية لم تجعل قيداً في ولاية الله ورسوله، بينما جعلت لولاية الذين آمنوا قيوداً، وهذه القيود – إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حال الركوع – تطرد مشاركة عامّة المؤمنين فيها؛ إذ تفرّد بها أمير المؤمنين (عليه السلام) كما جاء في الأخبار والآثار، وانحصار مصداق الآية فيه يدلّ على كون الولاية المذكورة ليست ولايةً عامّةً بل خاصّة على غرار ولاية الله وولاية الرسول.

4ـ الحصر: وهو أنَّ الآية حصرت الولاية بقولها: {إِنَّمَا وَلِيّكُم..} بثلاثة أصناف، وقد ذكرها عند بيان المفردة الأولى: أنّ الحصر تعـدّ قرينة على أنّ المراد بـ(الولي) معنىً مخصوص، وليس المراد هو الموالاة في الدين؛ لأنّ الآية تحصر الولاية في الثلاثة المذكورين، بينما الموالاة في الدين عامّة.

الثالثة: مفردة: {وَالَّذِينَ آمَنُوا..}: أحيانًا يكون استخدامها حقيقيًا، حيث يكون المقصود بـ(الذين) في الآية هم أئمّة الهدى (عليهم السلام)، لا خصوص الإمام علي (عليه السلام)، وإنّما هو شأن النزول كما أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: « يعني عليّاً وأولاده الأئمة (عليهم السلام) فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة، يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون » [2].

وأخرى: استعمال مجازي حيث أن كلمة (الذين) وإن كانت موضوعة للجمع إلا أنّها استعملت في المفرد مجازاً، والمبرّر لهذا الاستعمال المجازيّ هو:

1- استعملت لأجل التفخيم والتعظيم:

فإنّ كلمة (الذين) وإنْ كانت موضوعة للجمع إلّا أنه لا مانع من استعمالها للدلالة على المفرد بغرض التعظيم والتفخيم، وقد جرت عادة العرب مخاطبة الفرد بصيغة الجمع، فيقال للرجل العظيم: (انظروا في أمري)، وكما قال الشاعر أبو ذؤيب الهذلي: (لو كان مدحة حيّ منشراً أحداً ** أحيا أباكنّ يا ليلى الأماديح)؛ حيث خوطب الواحد وهو (ليلى) بلفظ الجمع وهو (أباكن يا ليلى). وقد ذكر أبو المظفّر السّمعانيّ [ت489 هـ]: (أنّ وقوع الواحد بلفظ الجمع على طريق التفخيم والتعظيم كثير في القرآن) [3].

2- استعملت الذين للترغيب:

فإنّ الآية الكريمة وإنْ أُريد بها أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو شخص واحد، إلّا أنّها استعملت لفظ الجمع (الذين) من باب ترغيب الناس في مثل هذا الفعل حيث يقول المفسر الزمخشريّ: (فإنْ قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّ (رضى الله عنه) واللفظ لفظ جماعة؟ قلتُ: جيء به على لفظ الجمع وإنْ كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغب الناس في مثل فعله، فينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقّد الفقراء، حتّى إنْ لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخّروه إلى الفراغ منها) [4].

3- استعملت الذين لدفع الشرور:

ذهب صاحب المراجعات إلى أن القرآن أتى بعبارة الجمع دون عبارة المفرد؛ بقياً منه تعالى على كثير من الناس، فإنّ شانئي عليّ وأعداء بني هاشم وسائر المنافقين وأهل الحسد والتنافس لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد؛ إذ لا يبقى لهم حينئذٍ مطمعٌ في تمويهٍ، ولا ملتمسٌ في التضليل، فيكون منهم – بسبب يأسهم – حينئذٍ ما تخشى عواقبه على الإسلام، فجاءت الآية بصيغة الجمع مع كونها للمفرد اتّقاءً من معرّتهم، ثمّ كانت النصوص بعدها تترى بعبارات مختلفة ومقامات متعددة، وبثّ فيهم أمر الولاية تدريجاً تدريجاً حتّى أكمل الله الدين وأتم النعمة؛ جرياً منه (صلى الله عليه وآله) على عادة الحكماء في تبليغ الناس ما يشقّ عليهم، ولو كانت الآية بالعبارة المختصّة بالمفرد لجعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصرّوا واستكبروا استكباراً، وهذه الحكمة مطّردة في كلّ ما جاء في القرآن الحكيم من آيات فضل أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين كما لا يخفى) [5].

والمتحصّل: بعد أنْ تمّ بيان معاني المفردات الواردة في الآية الكريمة، حيث عرفنا دلالة {إِنَّمَا} على حصر الولاية في الله تعالى والرسول والذين آمنوا، وعرفنا أنّ معنى {وليّكم} هو الأولويّة والأحقيّة وولاية الأمر، وعرفنا أنّ المراد بـ{وَالَّذينَ آمَنُوا…} هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، يتبيّن: أنّ معنى الآية الكريمة: إنّما وليّ أمركم والأولى بكم هو الله تعالى ورسوله وأمير المؤمنين.

والحمد لله رب العالمين

  1. الصاحبيّ ص94، معاني القرآن ج1 ص243، الشيرازيّات ج1 ص253، شرح الكافية ج4 ص58، شرح ابن عقيل ج1 ص235، وغيرها ↩︎
  2. الكافي ج١ص٤٢٧ ↩︎
  3. تفسير السمعاني ج٣ ص٤٨٩ ↩︎
  4. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ج١ ص٦٤٨ ↩︎
  5. المراجعات ص٢٣٥ ↩︎
Scroll to Top