الرد على شبهة: تمني أمير المؤمنين (ع) أن يلقى الله بصحيفة عمر

نص الشبهة:

كيف يُدَّعى وجود خلافٍ بين علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، مع ما يُنقل عن عليٍّ من تمنّيه لقاء الله بصحيفة عمر؟ أليس ذلك مدحًا وتزكيةً له؟

جواب الشبهة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنّ هذه الخبر روته العامة بصيغ متعددة منها: (وددت أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجى) أو (ما على الأرض أحد أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى) – لو سلّمنا بصدوره عن أمير المؤمنين (عليه السلام) – لا يجوز أن يكون محمولا على ظاهره؛ إذ لا يدلّ على مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) لعمر بن الخطّاب والثناء عليه؛ وذلك لوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: أن يراد من الصحيفة هي صحيفة الأعمال، فلا بدّ من وجودِ إضمار في الكلام، لدلالة الاقتضاء التي هي دلالة اللفظ على معنىً لا يصحّ إلّا بتقدير محذوف، فمن المحتمل أن تكون بتقدير كلمةٍ: (مثل) أو (نظير) أو (خلاف) ليكون المعنى : (ألقى الله بمثل صحيفة عمر) أو(ألقى الله بنظير صحيفة عمر)، أو (ألقى الله بخلاف صحيفة عمر).

فأن كان الكلام بتقدير كلمة (مثل) أو (نظير) دل على المدح، وأن كان بتقدير كلمة (خلاف) دلّ على القدح، كما نبّه عليه السيّد المرتضى علم الهدى، قائلا: (أنّ قوله: « وددت أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجّى » أو « ما على الأرض أحد أحبّ إليّ من أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجّى » لا يجوز أن يكون محمولاً على ظاهره؛ لأنّ الصحيفة إنّما يُشار بها إلى صحيفة الأعمال، وأعمال زيد لا يجوز أن يكون بعينها لعمرو، وتمنّي ذلك ممّا لا يصحّ على مثله (عليه السلام)، فلا بدّ من أن يقال: إنّه أراد بمثل صحيفته وبنظير أعماله، وإذا جاز أن يضمروا شيئاً في صريح اللفظ جاز لخصومهم أن يضمروا خلافه، ويجعلوا بدلاً من إضمار المثل الخلاف، وإذا تكافأت الدعويان لم يكن في ظاهر الخبر حجّة لهم) [1].

إذنْ: فهو يدلّ على وجود احتمالين في الكلام:

أحدهما: يدلّ على المدح بتقدير (مثل)، أو (نظير).

والآخر يدلّ على القدح بتقدير (خلاف)، ولا يتعيّن ترجيح المدح على القدح لاحتمال إرادة القدح، بل يتعيّن إرادة القدح على ما سيأتي بيانه:

الوجه الثاني: أن يراد أنه تمنّى لقاء الله بصحيفته ليُخاصم صاحبها بما دُوِّن فيها من الآثام والمعاصي فيكون الكلام ظاهراً في الذمّ العظيم، وأنّ صاحب تلك الصحيفة قد ارتكب جنايات عظيمة في حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا شكّ عندنا – طبقاً للأدلّة المتواترة – أنّ عمر ظلم أمير المؤمنين (عليه السلام) حقّه، وسلب حقّ حليلته الصديقة الكبرى (عليها السلام)، وهجم على دارها، إلى غير ذلك ممّا هو معروف مشهور، فلابدّ أن يكون تمنّي لقاء الله تعالى بصحيفة عمر إنّما هو من أجل المخاصمة والمحاكمة، وبهذا صرّح بعضُ أصحابنا المتقدّمين على ما حكاه السيّد المرتضى بقوله: (على أنّ في متقدّمي أصحابنا مَن قال: إنّما تمنّى أن يلقى الله بصحيفته ليخاصمه بما فيها، ويحاكمه بما تضمّنته) [2].

الوجه الثالث: أن يراد أنه تمنّى لقاء الله بصحيفة خاصّة ومعهودة، وهي وثيقة تعاهد عليها جماعةٌ من الصحابة، وفيهم عمر بن الخطّاب الذي كتبها بيده، فيكون المراد بـ(الصحيفة) في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: « لوددت أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجّى » إنّما هي تلك الصحيفة الملعونة التي دوّن فيها تعاقد جماعة من الصحابة على أن يسلبوا الخلافة من أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما روت أخبارنا ذلك نذكر منها:

1ـ روى أبو سعيد العصفريّ بالإسناد عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: « ..وأجمع القوم [يعني أبا بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم – على كتابٍ كتبوه بينهم في المسجد الحرام: إنْ قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألّا يولّوا عليّاً منها شيئاً، فلمّا سُجّي أبو بكر دخل عليه عليّ (عليه السلام) فقال: ما أُحبّ أن ألقى الله بمثل صحيفة هذا المسجّى، قال: فلمّا سُجّي عمر دعا له فقال مثل ذلك، قال: فهي الصحيفة التي كتبوها بينهم: إنْ قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألّا يولّوها عليّاً (عليه السلام) » [3].

وهذه الرواية تبيّن أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال هذه العبارة عند جنازة أبي بكر أيضاً، وفي ذلك رواية في بعض كتب المخالفين، وهذا يعني أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال هذه العبارة أوّلاً عند جنازة أبي بكر وثانياً عند جنازة عمر بن الخطاب.

2ـ روى الشيخ الصدوق بالإسناد عن مفضّل بن عمر، قال: « سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معنى قول أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) – لـمّا نظر إلى الثاني وهو مسجّى بثوبه -: ما أحد أحبّ إليّ أن ألقى الله بصحيفة من هذا المسجّى، فقال: عنى بها الصحيفة التي كتبت في الكعبة » [4].

3ـ روى سليم بن قيس الهلاليّ لِـما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) لطلحة في قصّة الشورى، فإنّه ذكر: « فقام عند ذلك عليّ (عليه السلام)، وغضب من مقالة طلحة، فأخرج شيئاً قد كان يكتمه، وفسّر شيئاً قد كان قاله يوم مات عمر لَـمْ يدروا ما عنى به » [5].

وقد ورد هذا الوجه في كلام جماعة من أصحابنا، نذكر بعضاً من كلماتهم:

قال هشام بن الحكم – بعد أن صرّح بعدم ثبوت الحديث -: (ولو ثبت لكان المعنى فيه معروفاً، وذلك أنّ عمر واطأ أبا بكر والمغيرة وسالماً مولى أبي حذيفة وأبا عبيدة على كتب صحيفة بينهم، يتعاقدون فيها على أنّه: إذا مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يورّثوا أحداً من أهل بيته، ولم يولّوهم مقامه من بعده، فكانت الصحيفة لعمر إذْ كان عماد القوم، والصحيفة التي ودَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ورجا أن يلقى الله بها هي هذه الصحيفة، فيخاصمه بها، ويحتجّ عليه بمتضمّنها. والدليل على ذلك: ما روته العامّة عن أبيّ بن كعب: أنّه كان يقول في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) – بعد أن أفضى الأمر إلى أبي بكر – بصوتٍ يسمعه أهل المسجد: ألَا هلك أهل العقدة، والله ما آسى عليهم إثماً، آسى على مَن يضلّون من الناس، فقيل له: يا صاحب رسول الله، مَن هؤلاء أهل العقدة؟ وما عقدتهم؟ فقال: قومٌ تعاقدوا بينهم: إنْ مات رسول الله لم يورّثوا أحداً من أهل بيته ولا ولّوهم مقامه، أمَا والله لئن عشت إلى يوم الجمعة لأقومنَّ فيهم مقاماً أبيّن به للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة) [6].

وقال أبو القاسم الكوفيّ: «وأمّا أبو عبيدة الجراح فالرواية عن أهل البيت (عليهم السلام) أنّه كان أمين القوم الذين تحالفوا في الكعبة الشريفة أنّه إنْ مات محمّد أو قتل لا يصيّروا هذا الأمر إلى أهل بيته من بعده، وكتبوا بينهم صحيفة بذلك، ثمّ جعلوا أبا عبيدة بينهم أميناً على تلك الصحيفة، وهي الصحيفة التي روت العامّة أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل على عمر وهو مسجّى فقال: ما أبالي أن ألقى بصحيفة هذا المسجّى، وكان عمر كاتب الصحيفة » [7].

أذن: بناء على ما تقدم يتبين لنا أن الصحيفة التي تمنى أمير المؤمنين (عليه السلام) لقاء الله تعالى بها هي الصحيفة الملعونة التي تعاقد عليها أبو بكر وعمر وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل حيث اجتمعوا في المسجد الحرام فكتبوا كتاباً وتعاهدوا عليه لئن مضى محمّد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا يولّوها عليّاً.

والحمد لله رب العالمين

  1. الشافي في الإمامة ج٣ ص١١٧ ↩︎
  2. الشافي في الإمامة ج٣ ص١١٧ ↩︎
  3. الأصول الستة عشر ص١٤٤ ↩︎
  4. معاني الأخبار ص٤١٢ ↩︎
  5. كتاب سليم ص٢٠٣ ↩︎
  6. الفصول المختارة ص٩٠ ↩︎
  7. الاستغاثة ج٢ ص٦٦ ↩︎

Scroll to Top