أجساد الأئمة (عليهم السلام) لا تتفسخ بعد الموت

وردنا سؤال:

هل هناك أدلّة شرعيّة أو روائيّة تثبت أنّ أجساد الأولياء والأئمة المعصومين لا تتفسّخ بعد الموت؟

الجواب:

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

إنّ الأخبار الواردة بهذا الشأن في مصادرنا الحديثية قد رُويت على ثلاثة طوائف، نعرضها فيما يلي:

الطائفة الأولى: دلّت الأخبار الواردة على أنّ أجساد الأئمة (عليهم السلام) محرّمةٌ على الأرض في قبورهم، نذكر منها ما يلي:

١- ما رواه الصّدوق بالإسناد إلى عمار الساباطيّ عن أبي عبد الله الصادقِ (عليه السلام) أنه قال: “إنَّ اللهَ (عزَّ وجل) حرَّمَ عظامنا على الأرضِ وحرَّم لحومنا على الدّود أن تُطعمَ منها شيئاً” (1).

٢- وما رواهُ ابنُ قولويه والطوسي بالإسناد إلى المفضل بن عمر الجعفي قال : دخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقلت له : اني اشتاق إلى الغري فقال : فما شوقك إليه ؟ فقلت : له اني أحب ان أزور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال : هل تعرف فضل زيارته ؟ فقلت : لا يا بن رسول الله الا ان تعرفني ذلك قال : إذا زرت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فاعلم انك زائر عظام آدم وبدن نوح وجسم علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ..” (2).

أقول: يؤيد ذلك ما ذُكر في بعض المصادر أنّ إبراهيم الديزج نبش قبر الإمام الحسين (عليه السلام) بأمرٍ من المتوكّل، فوجد جسده طريًّا على باريةٍ جديدة. فقد روى الطوسي بالإسناد إلى أبي علي الحسين بن محمد بن مسلمة بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار ابن ياسر، قال: حدثني إبراهيم الديزج، قال: «بعثني المتوكل إلى كربلاء لتغيير قبر الحسين (عليه السلام)، وكتب معي إلى جعفر بن محمد بن عمار القاضي: أعلمك أني قد بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلاء لنبش قبر الحسين، فإذا قرأت كتابي فقف على الامر حتى تعرف فعل أو لم يفعل .قال الديزج: فعرفني جعفر بن محمد بن عمار ما كتب به إليه، ففعلت ما أمرني به جعفر بن محمد بن عمار ثم أتيته ، فقال لي. ما صنعت؟ فقلت: قد فعلت ما أمرت به، فلم أر شيئا ولم أجد شيئا. فقال. لي: أفلا عمقته؟ قلت: قد فعلت وما رأيت، فكتب إلى السلطان: إن إبراهيم الديزج قد نبش فلم يجد شيئا وأمرته فمخره بالماء، وكربه بالبقر .قال أبو علي العماري: فحدثني إبراهيم الديزج، وسألته عن صورة الامر، فقال لي. أتيت في خاصة غلماني فقط، وإني نبشت فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين بن علي ووجدت منه رائحة المسك، فتركت البارية على حالتها وبدن الحسين على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه، وأطلقت عليه الماء، وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه فلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه، فحلفت لغلماني بالله وبالايمان المغلظة لئن ذكر أحد هذا لأقتلنه» (3).

الطائفة الثانية: دلّت الأخبار أنّ أجساد الأنبياء تبلى، ونذكر منها ما يلي:

1- الخبر المتقدم الذي رواهُ ابنُ قولويه والطوسي بالإسناد إلى المفضل بن عمر الجعفي قال : «.. إذا زرت أمير المؤمنين (عليه السلام) فاعلم انك زائر عظام آدم وبدن نوح وجسم علي بن أبي طالب (عليه السلام)..» (4).

2- ما رواه الشيخُ الصّدوق بالإسناد إلى لحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال: احتبس القمر عن بني إسرائيل فأوحى الله عز وجل إلى موسى: ان اخرج عظام يوسف (عليه السلام) من مصر ووعده طلوع القمر إذا اخرج عظامه ..» (5).

الطائفة الثالثة: دلّت الأخبار على أنَّ أجسادَ الأنبياء والأوصياء تُرفعُ إلى السماءِ فنذكرُ منها فيما يلي:

1ـ ما رواهُ الكليني والمفيد والطوسي بالإسناد إلى زياد بن أبي الحلال عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما من نبي ولا وصي يبقى في الأرض بعد موته أكثر من ثلاثة أيام حتى ترفع روحه وعظمه ولحمه إلى السماء، وإنما تؤتى مواضع آثارهم ويبلغهم السلام من بعيد ويسمعونه في موضع آثارهم من قريب» (6)

2ـ وما رواهُ ابن قولويه بالإسناد إلى عبد الله بن بكير الأرجاني قال: «.. قلت [لأبي عبد الله]: جعلت فداك إخبرني عن الحسين (عليه السلام) لو نبش كانوا يجدون في قبره شيئا، قال: يا بن بكير ما أعظم مسائلك الحسين (عليه السلام) مع أبيه وأمه وأخيه الحسن في منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يحبون كما يحبي ويرزقون كما يرزق، فلو نبش في أيامه لوجد، واما اليوم فهو حي عند ربه ينظر إلى معسكره، وينظر إلى العرش متى يؤمر ان يحمله، وانه لعلى يمين العرش متعلق، يقول: يا رب انجز لي ما وعدتني» (7).

أقول: من خلال هذه الطوائف الثلاثة، يمكننا أن نفهم ما يلي:

أوّلاً: هناك بعض الأعلام من حمل أخبار الرفع، على إنهم يرفعون بعد الثلاثة ثم يعودون إلى قبورهم وبالتالي لا تعارض بينها وبين بقاء أجسادهم في قبورهم. قال المجلسي: (يمكن حمل أخبار الرفع على أنهم يرفعون بعد الثلاثة ثم يرجعون إلى قبورهم كما ورد في بعض الأخبار أن كل وصي يموت يلحق بنبيه ثم يرجع إلى مكانه) (8).

ثانياً: روايات ارتفاع الأجساد محمولة على التقيّة، حتى تكون مانعاً للنواصب والخوارج من نبش قبورهم. وهذا يشبه سبب إخفاء قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) خوفاً من نبش النواصب له، كما حدث مع قبر زيد الشهيد.

قال المجلسي: (ومنهم من حملها على أنها صدرت لنوع من المصلحة تورية لقطع أطماع الخوارج والنواصب الذين كانوا يريدون نبش قبورهم وإخراجهم منها وقد عزموا على ذلك مرارا فلم يتيسر لهم) (9).

ثالثاً: إنَّ الجمعَ الدلالي بين النصوص التي تمنعُ الأرضَ من أكل أجساد الأئمة (عليهم السلام)، والنصوص التي تشير إلى وجود عظام لبعض الأنبياء كآدم ويوسف (عليهما السلام)، يستوجب القول بتخصيص ميزة عدم البلى على المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) وعليه، فإنَّ الحكم بعدم التفسخ ليس حكماً عاماً لجميع الأنبياء، بل هو مرتبة خاصة بالمعصومين الأربعة عشر، مما يعني أنَّ الطبيعة الأرضية قد تجري على أبدان غيرهم من الأنبياء وفقاً لظواهر الروايات المذكورة.

والحمد لله رب العالمين

  1. مَن لا يحضرُه الفقيه ج1 ص191 ↩︎
  2. كامل الزيارات ص90، تهذيبُ الأحكام ج6 ص23 ↩︎
  3. أمالي الطوسي ص326 ↩︎
  4. كامل الزيارات ص90، تهذيبُ الأحكام ج6 ص23 ↩︎
  5. عللُ الشرائع للشيخِ ج2ص297، الخصال ص205، عيون أخبار الرضا (ع) ج1 ص235 ↩︎
  6. الكافي ج4 ص567، المزار ص221، تهذيبُ الأحكامِ ج6ص101 ↩︎
  7. كامل الزيارات ص543 ↩︎
  8. بحار الأنوار ج97 ص131 ↩︎
  9. مرآةُ العقول ج 8 ص 284 ↩︎
Scroll to Top