توجيه قول أمير المؤمنين (ع): «أنا الأول وأنا الآخر»

نص الشبهة:

تذكر بعض المصادر الشيعية أنَّ عليَّ بن أبي طالب قال: «أنا الأول وأنا الآخر وأنا الظاهر والباطن»، وهي أوصافٌ خصَّ اللهُ تعالى بها نفسه كما في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحديد: ٣].

جواب الشبهة:

سم الله الرحمن الرحيم

أنَّ ما يُنسب لأمير المؤمنين (عليه السلام) من قول: «أنا الأول وأنا الآخر..» لا يُحمل على ظاهره الذي يتبادر للذهن، فهو يختلف في معناه وسياقه عن الآية القرآنية التي تصف الذات الإلهية: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد:3]، وليس المراد منها ما قد يُتوهّم من نسبة الصفات الإلهيّة إليه (عليه السلام). ولتوضيح ذلك، يمكننا بيان ذلك من ثلاثة وجوه:

الوجه الأول: إنّ معنى {الأَوَّلُ} في الآية المباركة هو: الذي لا بداية له، ومعنى {وَالآخِرُ}: هو الذي لا نهاية له، كما جاء ذلك في بيانات العترة فقد سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الآية، فقال: «الأوّل لا عن أوّلٍ كان قبله، ولا عن بدءٍ سبقه، والآخر لا عن نهايةٍ كما يُعقَل من صفة المخلوقين، ولكن قديم أوّل آخر لم يزل ولا يزال بلا بدء ولا نهاية، لا يقع عليه الحدوث، ولا يحول من حال إلى حال، خالق كلّ شيء» [1].

ومن الثابت عقدياً في المنظور الإمامي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) يندرج ضمن دائرة الإمكان والحدوث، فهو كائن مربوب ومفتقر في وجوده إلى الخالق (عز وجل). وبناءً عليه، يمتنع عقلاً اتصافه بصفات الأزلية والبقاء المطلق كـ (الأولية بلا ابتداء والآخرية بلا انتهاء)؛ إذ هي من مختصات الواجب لذاته.

الوجه الثاني: أنَّ الوارد في بيانات العترة، أحاديث تُفسَّر (الأولية) هنا بـ الأسبقية الزمانية في اعتناق الإسلام والمبادرة للإيمان، فيما تُصنف (الآخرية) بوصفها تأخراً في العهد بالرسول الأكرم؛ كونه (عليه السلام) آخر من باشر تجهيز النبي ودفنه، نذكر منها:

1ـ ما رواه ابن شهر آشوب بالإسناد: «سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام): كيف أصبحت؟ فقال: أصبحتُ وأنا الصدّيق الأوّل والفاروق الأعظم، وأنا وصيّ خير البشر، وأنا الأوّل، وأنا الآخر، وأنا الباطن، وأنا الظاهر، وأنا بكلّ شيء عليم، وأنا عين الله، وأنا جنب الله، وأنا أمين الله على المرسلين، بنا عُبِد الله، ونحن خُزّان الله في أرضه وسمائه، وأنا أحيي وأميت، وأنا حيّ لا أموت. فتعجّب الأعرابيّ من قوله، فقال (عليه السلام): (أنا الأوّل): أوّل مَن آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله)، و(أنا الآخر): آخر مَن نظر فيه لـمّا كان في لحده، و(أنا الظاهر): فظاهر الإسلام، و(أنا الباطن) بطين من العلم، و(أنا بكلّ شيء عليم): فإنّي عليم بكلّ شيء أخبره الله به نبيَّه فأخبرني به، فأمّا (عين الله): فأنا عينه على المؤمنين والكفرة، و(أمّا جنب الله): {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} ومَن فرّط فيَّ فقد فرّط في الله، ولم يخبر لنبيّ نبوّة حتّى يأخذه ختاماً من محمّد فلذلك سُمِّي خاتم النبيّين محمّد سيّد النبيّين فأنا سيّد الوصيّين، وأمّا (خزّان الله في أرضه): فقد علمنا ما علّمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقول صادق، و(أنا أحيي): أحيي سنّة رسول الله، و(أنا أميت): أميت البدعة، و(أنا حيّ لا أموت): لقوله تعالى {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}» [2].

2ـ ما رواه الشيخ المفيد بالإسناد: « روي أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه) كان قاعداً في المسجد وعنده جماعة، فقالوا له: حدّثنا يا أمير المؤمنين، فقال لهم: ويحكم، إنّ كلامي صعب مستصعب، لا يعقله إلّا العالمون، قالوا: لا بدّ من أن تحدّثنا، قال: قوموا بنا، فدخل الدار، فقال: أنا الذي علوتُ فقهرتُ، أنا الذي أحيي وأميت، أنا الأوّل والآخر والظاهر والباطن، فغضبوا وقالوا: كفر، وقاموا، فقال عليّ (صلوات الله عليه وآله) للباب: يا باب استمسك عليهم، فاستمسك عليهم الباب، فقال: ألـم أقل لكم: إنّ كلامي صعب مستصعب لا يعقله إلّا العالمون؟ تعالوا أفسّر لكم، أمّا قولي: (أنا الذي علوت فقهرت) فأنا الذي علوتُكم بهذا السيف فقهرتُكم حتّى آمنتم بالله ورسوله، وأمّا قولي: (أنا أحيي وأميت) فأنا أحيي السنّة وأميت البِدْعَة، وأما قولي: (أنا الأوّل) فأنا أوّل مَن آمن بالله وأسلم، وأمّا قولي: (أنا الآخر) فأنا آخر مَن سجّى على النبيّ ثوبه ودفنه، وأمّا قولي: (أنا الظاهر والباطن) فأنا عندي علم الظاهر والباطن، قالوا: فرّجتَ عنّا فرّج الله عنك» [3].

الوجه الثالث: أنَّ استعمال هذه الألفاظ «أنا الأول والآخر ..» جاء على غرار ما رواه المخالفون: من «أنَّ رجلاً أُتي به إلى عمر بن الخطّاب، وكان صدر منه أنّه قال لجماعة من الناس وقد سألوه: كيف أصبحت؟ قال : أصبحت أُحبّ الفتنة، وأكره الحقّ، وأصدّق اليهود والنصارى، وأؤمن بما لَـم أرَه، وأُقرّ بما لم يُخلق، فرُفِع إلى عمر، فأرسل إلى عليّ (كرّم الله وجهه)، فلمّا جاءه أخبره بمقالة الرجل، قال: صدق، يحبّ الفتنة، قال الله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}، ويكره الحقّ [يعني] الموت، قال الله تعالى: {وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}، ويصدّق اليهود والنصارى، قال الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْء وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَى}، ويؤمن بما لَـم يرَه، يؤمن بالله عزّ وجلّ، ويُقرّ بما لم يُخلق، يعني الساعة، فقال عمر: أعوذ من معضلة لا عليّ لها» [4]. فكذلك معنى ما نُسب لأمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا سُئل عن مراده من هذه الألفاظ أوضحَ أنّه يقصد معانٍ لا يقصد ظاهر الذي يتبادر إلى الذهن.

والحمد لله رب العالمين

  1. التوحيد ص٣١٤ ↩︎
  2. مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٢٠٥ ↩︎
  3. الاختصاص ص١٦٣ ↩︎
  4. الفصول المهمّة ج١ ص١٩٨، نظم درر السمطين ص١٢٩ ↩︎
Scroll to Top