وردنا سؤال:
هل يجوز أن يقال: «إنا للحسين وإنا إليه راجعون»؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ هذا التعبير مُقتبَسٌ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، وهي آيةٌ جرت السُّنّة بتلاوتها عند نزول المصائب.
ومفاد قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ – كما ورد في بيانات العترة (عليهم السلام) – الإقرارُ بالملك المطلق لله سبحانه وتعالى، بمعنى الاعتراف بأنّ الإنسان عبدٌ مملوكٌ لله، خاضعٌ لسلطانه، يجري عليه حكمه وتقديره كيفما شاء.
وأمّا قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فيتضمّن الإقرارَ بالمعاد، والإذعانَ بحتميّة الرجوع إلى الله تعالى يوم القيامة، وما يستلزمه ذلك من الإيمان بالبعث والنشور والحساب.
روى الكليني بالإسناد إلى صالح بن أبي حماد رفعه قال: جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الاشعث بن قيس يعزيه بأخ له يقال له: عبد الرحمن .. فقال له الاشعث: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أتدري ما تأويلها؟
فقال الاشعث: لا أنت غاية العلم ومنتهاه، فقال له (عليه السلام): أما قولك: إنا لله فإقرار منك بالملك وأما قولك وإنا إليه راجعون فإقرار منك بالهلاك» [1].
قال الشريف الرضي رويَ أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما سمع رجلاً يقول: إنّا لله وإنّا اليه راجعون قال: «إنّ قولنا {إِنَّا لِلَّهِ} إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} إقرار على أنفسنا بالهلاك» [2].
ويترتّب على ما تقدّم أنّ هذا التعبير مختصٌّ بالله (عز وجل)، فلا يصحّ تعديتُه إلى غيره، لِما يتضمّنه من معنى، سيّما مع عدم ورود ما يُجيز استعماله في حقّ أئمّة الهدى (عليهم السلام) في كلماتهم، لا على سبيل التصريح ولا التلميح، ومع قيام النصوص الواردة في بيانات العترة على النهي عن نسبة ما لم يقولوه في أنفسهم، صيانةً لمقامهم عن الغلوّ والتجاوز في الوصف فقد روى الصفار والكليني بالإسناد إلى أبي إسحاق النحوي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعته يقول: .. «فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا ونحن فيما بينكم وبين الله عزوجل، ما جعل الله لاحد خيرا في خلاف أمرنا» [3].
روى الحميري بالإسناد إلى فضيل بن عثمان الاعور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «.. أحبّوا أهل بيت نبيّكم حبّاً مقتصداً، ولا تغلوا، ولا تفرّقوا، ولا تقولوا ما لا نقول» [4].
فإذا تبيّن ما تقدّم من اختصاص هذا التعبير بدلالته التوحيديّة بالله تعالى، ظهر أنّ ما يلهج به بعض الغلاة من عباراتٍ من قبيل: «إنّا للحسين، وإنّا إليه راجعون» أو «إنّا لعليٍّ، وإنّا إليه راجعون» يشتمل على إيهامٍ ظاهرٍ، إذ قد يُفهم منه ـ لدى ضعاف الفهم أو المتربّصين ـ معنى التأليه أو إسناد ما هو من خصائص الربوبيّة إلى غير الله تعالى.
ومقتضى ذلك ينبغي سدّ هذا الباب، لئلّا يُتّخذ ذريعةً للتشنيع أو الاتّهام بالغلوّ، إذ لا يصحّ إطلاق نحو «إنّا للحسين» أو «إنّا لعلي» بالمعنى الذي يفيد الملك المطلق والهلاك؛ لأنّ الملك الحقيقيّ المطلق إنّما هو لله جلّ اسمه دون سواه.
والحمد لله رب العالمين.




