تحرير القول في مسألة «البداء في الإمامة»

نص الشبهة:

يرى المخالفون أن القول بـ “البداء ” في مسألة الإمامة -كما في قضية إسماعيل بن جعفر الصادق أو محمد بن علي الهادي- يستلزم بالضرورة تفنيد دعوى النصّ المسبق على أسماء الأئمة المتمثل في (حديث اللوح، حديث جابر، أو نصوص التعيين بالأسماء)؛ فإذا كان أسماء الأئمة الاثني عشر مكتوبة في اللوح المحفوظ ومحددة سلفاً بلسان النبي (صلى الله عليه وآله) في أخبارٍ متواترة، فكيف يصحّ وقوع البداء فيهم؟

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم إنَّ التَّنصيصَ على الإمامةِ في لسانِ الأخبارِ يَنقسمُ إلى قسمينِ:

الأول: النصُّ التأسيسيُّ العام، ويُصطلحُ عليه بـ (النصِّ الجليِّ الكُلّي)؛ وهو الذي أحصى الأئمةَ جملةً وتفصيلاً بأسمائهم وكُناهم وألقابهم كما في حديث اللوح وغيره.

والثاني: النصُّ التراتبيُّ الخاصُّ؛ وهو ما يتحققُ بـ (نصِّ السابقِ على اللاحق)، وهو العهدُ المعهودُ الذي تنتقلُ به الإمامة من إمام إلى آخَر بمقتضى التعيينِ الإلهي.

وقد شدد العباسيون في مراقبة أحوال أئمة الهدى لمعرفة الخلف مما جعل الإفصاح عن النصِّ – بكلا قسميه – لغير الخواص من أصحاب السر صعبا جدا حمايةً للإمام من الاغتيال؛ لذا صارت هذه النصوص غير متداولة لدى عامة الناس.

وتجلّى ذلك في الوصية الخماسية للإمام الصادق (عليه السلام) التي كانت توريةً تدبيرية أحدثت انسداداً في قرار المخذول الدوانيقي الساعي لتصفية الوصي؛ إذ استلزم تنفيذ القتل إبادة السلطان لنفسه أو لرجاله [1].

ومن هنا، قام أئمةِ الهدى (عليهم السلام) بوضع علامات لِشيعَتهم؛ صوناً لمقامِ الإمامةِ عن انتحالِ المبطلين، وتمييزاً للحُجّةِ الحقّ من أدعياءِ الزور، وقد فصّلنا القولَ في ذلك ضمنَ جوابٍ مُفردٍ تحت عنوان: (دلائل معرفة الإمام). ومن جملةِ تلك العلامات: كَوْنُ الإمامِ هو الابنَ الأكبرَ المُبَرّأَ من العاهةِ والنقص، وهي علامةٌ لا تخفى على أهلِ البصيرةِ من خُلَّصِ الأصحاب، كأبي حمزة الثمالي، الذي استنبط تعيّن الإمامة في أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) بـ منهج السبر والتقسيم؛ فنفى غير المؤهلين شرعاً (كالمنصور والوالي وحميدة والأفطح) لانتفاء شروط النسب والذكورة والكمال الخِلقي، فاستبان الحق بالقرائن القطعية فقد قال – لـمّا سمع بها -: (الحمد لله الذي هدانا إلى الهدى، وبيّن لنا عن الكبير، ودلّنا على الصغير، وأخفى عن أمر عظيم) [2].

بيدَ أنَّ تراصدَ عيون السلطة العباسيّة وتربُّصها بالخلف، استدعى إعمالَ قاعدةِ التورية والتمويه؛ صوناً للإمامة من الكيد. ولأجله وقعَ الإيهامُ بتقديم بعضِ الأبناءِ كإسماعيلَ ومحمدٍ الديباج، فسبقَ إلى ظن العوامِ أنهما الخلف، وفي هذا المَعنى يقولُ العلامةُ الشّيخُ البلاغيّ (طاب ثراه): (قَد كانَ النّاسُ يحسبونَ أنَّ إسماعيلَ بنِ الصّادقِ (عليه السّلام) هوَ الإمامُ بعدَ أبيهِ ، لِمَا علمُوهُ مِن أنَّ الإمامةَ للولدِ الأكبر ما لَم يكُن ذا عاهةٍ ، ولأنَّ الغالبَ في الحياةِ الدّنيا وأسبابِ البقاءِ أن يبقى إسماعيلُ بعدَ أبيهِ (عليه السّلام) ، فبدا وظهرَ بموتِ إسماعيلَ أنَّ الإمامَ هوَ الكاظمُ (عليه السّلام)، لأنَّ عبدَ اللهِ كانَ ذا عاهةٍ ، فظهرَ للهِ وبدا للنّاسِ ما هوَ في علمِه المكنون. وكذا في موتِ محمّدٍ بنِ الهادي (عليهما السّلام)، حيثُ ظهرَ للشّيعةِ أنَّ الإمامَ بعدَ الهادي هوَ الحسنُ العسكريّ (عليه السّلام . (وهذا الظّهورُ للشّيعةِ هوَ الأمرُ الذي أحدثَه اللهُ بموتِ محمّدٍ ، كما قالَ الهادي للعسكريّ (عليهما السّلام) عندَ موتِ محمّد : «أحدِث للهِ شكراً ، فقَد أحدثَ فيكَ أمراً» [3].

أقول: وعليه، يترشّحُ عما تقدّم أمران:

أحدهما: أنَّ البداء في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يرجعُ حقيقةً إلى الإظهار؛ أي إبانةُ ما كان خافياً على جمهورِ الناس، إذ لمّا التبسَ الأمرُ على عوام الشيعة في إمامةِ أبي الحسن الكاظمِ وأبي محمد العسكريِّ (عليهما السلام) لبرهةٍ من الزمن، جلى اللهُ الحقيقةَ بوفاةِ إسماعيلَ ومحمد، ليُبانَ للرائي مَن هو الحجةُ الفعلي. وإلى هذا المعنى أشار الشيخُ الطوسي (طاب ثراه) بقوله: (ما تضمّنَ الخبرُ المُتقدّمُ مِن قولِه : ” بدا للهِ في محمّدٍ كما بدا له في إسماعيلَ ” معناهُ ظهرَ منَ اللهِ وأمرُه في أخيهِ الحسنِ ما زالَ الرّيبُ والشّكُّ في إمامتِه ، فإنَّ جماعةً منَ الشّيعةِ كانوا يظنّونَ أنَّ الأمرَ في محمّدٍ مِن حيثُ كانَ الأكبرُ، كما كانَ يظنُّ جماعةً أنَّ الأمرَ في إسماعيلَ بنِ جعفرٍ دون موسى (عليه السّلام) فلمّا ماتَ محمّدٌ ظهرَ مِن أمرِ اللهِ فيه ، وأنّهُ لم ينصِبهُ إماماً ، كما ظهرَ في إسماعيلَ مثلُ ذلكَ لا أنّهُ كانَ نصَّ عليهِ ثمَّ بدا لهُ في النّصِّ على غيرِه ، فإنَّ ذلكَ لا يجوزُ على اللهِ تعالى العالمِ بالعواقب) [4] .

والآخر: أنَّ القولَ بالبداءِ في مقامِ التعيينِ والتشخيص – بمعنى انتقالِ الإمامةِ من شخصٍ لآخرَ لم يكن مُعيناً- هو قولٌ باطلٌ؛ إذ انعقدَ إجماعُ الإماميةِ قاطبةً على أنَّ الأئمةَ الاثني عشرَ منصوصٌ عليهم بأسمائهم وأعيانهم في اللوحِ المحفوظ، فلا تبديلَ لِما جرى به القلمُ الإلهي. وإلى هذا المعنى أشار الشيخُ المفيد (طاب ثراه) بقوله: (فأمّا الرّوايةُ عَن أبي عبدِ اللهِ (عليهِ السّلام) مِن قولِه : «ما بدا للهِ في شيءٍ كما بدا لهُ في إسماعيلَ» فإنّها على غيرِ ما توهّموهُ أيضاً منَ البداءِ في الإمامةِ وإنّما معناها ما رويَ عَن أبي عبدِ اللهِ (عليهِ السّلام) أنّهُ قالَ : إنَّ اللهَ تعالى كتبَ القتلَ على إبني إسماعيلَ مرّتينِ فسألتُه فيهِ فعفا عَن ذلكَ فما بدا لهُ في شيءٍ كما بدا لهُ في إسماعيلَ ، يعني به ما ذكرَه منَ القتلِ الذي كانَ مكتوباً فصرفَهُ عنهُ بمسألةِ أبي عبدِ اللهِ (عليهِ السّلام) وأمّا الإمامةُ فإنّهُ لا يوصفُ اللهُ فيهِ بالبداء ، وعلى ذلكَ إجماعُ فقهاءِ الإماميّةِ ومعُهم فيهِ أثرٌ عنهم (عليهِ السّلام) أنّهم قالوا : مهما بدا للهِ في شيءٍ فلا يبدو لهُ في نقلِ نبيٍّ عَن نبوّتِه ولا إمامٍ عَن إمامتِه ولا مؤمنٍ قَد أخذَ عهدَه بالإيمانِ عَن إيمانِه) [5].

والحمد لله رب العالمين

  1. الكافي ج١ ص٣١٠. ↩︎
  2. مناقب آل أبي طالب ج٣ ص٤٣٤. ↩︎
  3. مسألةٌ في البداءِ ص٧٤. ↩︎
  4. الغيبةُ للطّوسي ص٢٠٢. ↩︎
  5. الفصولُ المُختارةُ ص٣٠٩. ↩︎
Scroll to Top