تَنْقِيحُ المَقَالِ فِي تَفْسِيرِ «مُبَاهَتَةِ أَهْلِ البِدَعِ»

نص الشبهة:

يفسر بعض معممي الرافضة النص الوارد في كتاب الكافي للكليني «باهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد» بالكذب والافتراء على المخالف.

والسؤال هنا: إذا كان المعنى اللغوي لـ ‘المباهتة’ هو قذف المخالف بما ليس فيه، ألا يجعل هذا النص من ‘الغاية تبرر الوسيلة’ أصلاً أصيلاً، مما يفتح الباب لتسويغ الكذب وتشويه السمعة كأدوات شرعية في الصراع الفكري؟

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنَّ المستشكل يشير إلى ما رواه الكليني بالإسناد إلى داود بن سرحان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهر البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة» [1].

والتحقيقُ في مفاد مادة (المباهتة) ينحلّ إلى جهتين:

الجهة الأولى: في وجهِ استعمالِ (البُهتان) في التحير والدهشة:

إنَّ التحقيق في مادة (بهت) بحسب وضعها اللغوي الأصيل أنها مـوضوعةٌ لِما يوجب الدهشة ويورث الحيرة [2]، ويشهد له الكتاب العزيز في قوله سبحانه: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} [الأنبياء: 40]، أي تُحيّرُهم.

ومنه قوله سبحانه: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258]، أي انقطع الخصمُ (النمرود) وأُسقِط في يده دهشةً وحيرةً أمام قوة الحجة الإبراهيمية وقصور باطله عن معارضتها، حين طالبه نبي الله (عليه السلام) بالإتيان بالشمس من المغرب بعد قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}.

الجهة الثانية: في وجهِ استعمالِ (البُهتان) في الكذب والافتراء:

إنَّ إطلاق مادة (بهت) على الكذب هو من قبيل المجاز المرسل بعلاقة اللزوم؛ إذ الحيرة (المعنى الحقيقي) لازمةٌ للمفترى عليه حال مواجهته بما ليس فيه. ومن المعلوم أصولياً أنَّ حمل اللفظ على المعنى المجازي يفتقر إلى قرينةٍ صارفة عن المعنى الحقيقي ومعيِّنة للمراد.

والاستقراءُ في الخطابات الشرعية يُعاضد ذلك؛ حيث لم يرد استعمال البهتان بمعنى الكذب في الكتاب العزيز إلا مشفوعاً بقرينةٍ مفسِّرة، كقوله تعالى: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ} [الممتحنة: 12]، فإنَّ وصف البهتان بـ (الافتراء) هو الذي صرَف اللفظ عن محض الحيرة والذهول إلى خصوص الكذب، ولولا هذا القيد المخصِّص لما انسبق الذهن لغير المعنى اللغوي.

وإذا عرفت ذلك فاعلم: أنَّ الخبر لا يدل على المعنى المجازي -أعني الكذب والافتراء- كما توهمه بعض الأعلام؛ بل المتعيّن كون المراد من الأمر بمباهتتهم هو إقامة الحجة عليهم بما يُبطل شُبههم، فيذرهم مبهوتين حيارى لا يجدون لدفع الحق سبيلاً. ويشهدُ لهذا المعنى وجوه ثلاثة:

الأول: انتفاء القرينة الصارفة عن المعنى اللغوي الحقيقي إلى المجازي، بل القرينة السياقية قائمة على خلافه؛ إذ عُلّل في الخبر “كَيْلَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ…”، ومن الواضح أنَّ الافتراء لا يترتب عليه تحذر الناس منهم بملاك الحجة، بل إنَّما يتحقق الغرض بدفع باطلهم بالحجة القاطعة التي تورثهم البهت والحيرة.

الثاني: تظافر النصوص من بيانات الثقلين على حرمة الافتراء بنحو مطلق، فلا يسوغ حتى في حق الكافر فضلاً عن المبتدع؛ لكونه ظلماً قبيحاً لذاته، فما جاء في بيانات القرآن الكريم قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].

وما جاء في بيانات العترة الطاهرة نذكر بعضا منها:

1ـ ما وراه الكليني بالإسناد إلى الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه نهى عن قذف من كان على غير الاسلام إلا أن يكون قد اطلعت على ذلك منه» [3].

2ـ وما رواه أيضاً بالإسناد إلى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه نهى عن قذف من ليس على الاسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم، وقال: أيسر ما يكون أن يكون قد كذب» [4].

3ـ وما رواه أيضاً بالإسناد إلى إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الافتراء على أهل الذمة وأهل الكتاب هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ قال: «لا، ولكن يعزر» [5].

الثالث: تصريح أساطين الشراح بإرادة المعنى الحقيقي (التحير والدهشة)، كالمولى المجلسيّ حيث أفاد قائلاً: (والظاهر أن المراد بالمباهتة إلزامهم بالحجج القاطعة، وجعلهم متحيرين لا يحيرون جوابا كما قال تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}) [6]

والمولى المازندراني قائلاً: (والبهت التحير والدهش، ولعل المراد به إلزامهم بالحجج البالغة لينقطعوا ويبهتوا كما بهت الذي كفر في محاجة إبراهيم (عليه السلام) وكل ذلك. (كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ..) [7].

والفيض الكاشاني قائلا: (باهتوهم) أي جادلوهم وأسكتوهم واقطعوا الكلام عليهم) [8].

  1. الكافي ج2 ص375. ↩︎
  2. معجم مقاييس اللغة ج1 ص307، المخصص ج3 ص127. ↩︎
  3. الكافي ج7 ص240. ↩︎
  4. الكافي ج7 ص240. ↩︎
  5. الكافي ج7 ص241. ↩︎
  6. يحار الأنوار ج71 ص104. ↩︎
  7. شرح أصول الكافي ج10 ص43. ↩︎
  8. الوافي ج 1 ص245. ↩︎
Scroll to Top