تحقيق القول فيما نُسب للمفيد من تعميم اصطلاح (العترة) لعموم بني هاشم

نص الشبهة:

إنَّ إقرار الشيخ المفيد بسعة مفهوم “العترة ” لغةً وعرفاً لتشمل عموم بني هاشم؛ يرفعُ خصوصية الحجية عن العدد المخصوص (الاثني عشر) ويُشرعن بالضرورة مذاهب سائر الفرق الشيعية كالكيسانية، والفطحية، والسميطية، والنفيسية؛ إذ التمسك بـ “آحاد العترة ” كابن الحنفية وعبد الله الأفطح ومحمد بن جعفر وجعفر بن علي هو تمسكٌ بظاهر النص العام، وقصرُ الإمامة على تسلسلٍ عموديٍ واحدٍ دون غيرهم من أعيان الهاشميين يُعد ترجيحاً بلا مرجح ومخالفةً لعموم النص.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يَخفى ما أفاده شيخُ الطائفة المفيدُ (قُدّس سرُّه) في كتابه (أجوبة المسائل الجاروديّة)، حيثُ تعرّض لمقالةِ الجارودية من الزيدية في حصرِ الإمامة بذرّيةِ الصدّيقةِ الكبرى (عليها السلام)، متشبّثين بظهورِ لفظِ (العترة) الواردِ في خبرِ الثقلين في خصوصِ الذرّيّة. فكان مَسلكُه (قُدّس سرُّه) قائمًا على المعارضةِ بالمباني العامّة؛ هدمًا لأساسِ دعواهم بحصرِ العترةِ في النسلِ الفاطميّ (الحسن والحسين وما تناسل منهما)، وهو الأصلُ الذي عليه شيّدوا احتجاجَهم بوجوبِ الإمامةِ في أعيانِ الخارجين كـ (الحسنِ المثنى، وزيدِ بن عليّ، والنفسِ الزكيّة وغيرهم). ومن هنا، انبرى (قُدّس سرُّه) لمناقشتهم مناقشةً مبنائيّة. وبيانُ ذلك يَتّضحُ عبرَ الوجوهِ الآتية:

الوجهُ الأوّل: في المعارضةِ بـ (لسانِ الخصم)

إنّ ما رامه شيخُ الطائفة (قُدّس سرُّه) في هذا المقام، ليس من بابِ تقريرِ مذهبِ الإماميةِ ابتدائاً، وإنّما هو من بابِ إلزامِ الخصمِ بما هو مسلّمٌ عندَ العامّة؛ هدمًا لأساسِ الحصرِ الذي ادّعته الزيديّةُ في الذرّيّةِ الفاطميّة. وحيثُ إنّ (العترة) في لسانِ العامة ومبانيهم أوسعُ مآلاً؛ لشمولها لعامّةِ بني هاشمٍ من وُلدِ العباسِ وعليٍّ والحارثِ وسائرِ بني أبي طالب -كما هو مقتضى كلماتِ محقّقيهم كابنِ تيميّة [1] وغيره؛ فقد كان غرضُ الشيخ (قُدّس سرُّه) إفحامَ الزيديّة بأنّ التمسّكَ بظاهرِ لفظِ (العترة) لحصرِ الإمامةِ في الذرّيّةِ الفاطميّةِ تحكّمٌ بلا دليل، يثبته الزيدية بل إنّ الخبرَ بإطلاقهِ يكونُ في بني هاشمٍ أجمعين أظهرُ منه في خصوصِ وُلدِ الصدّيقةِ الكبرى (عليها السلام).

قال الشيخ (قُدّس سرُّه): (قالت الجارودية: فإن لنا حجة في اختصاص الحسن والحسين عليهما السلام وولدهما بالإمامة دون غيرهم من ولد امير المؤمنين (عليه السلام) وسائر بني هاشم وكافة الناس وهي قول النبي (صلى الله عليه وآله): «إني مخلف فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي اهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».

قالت الامامية: هذا الخبر بأن يكون حجة لمن جعل الامامة في جميع بني هاشم اولى من ان يكون حجة لمن جعلها في ولد فاطمة (عليها السلام) لان جميع بني هاشم عترة النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته بلا اختلاف، وإلا فان اقترحتم فيه الحكم على انه مصروف إلى ولد فاطمة (عليها السلام) اقترح خصومكم من الامامية الحكم به على انه من ولد فاطمة في ولد الحسين بعده وبعد اخيه الحسن عليه السلام. فلا تجدون منه فصلا) [2].

الوجهُ الثاني: في تهافتِ المَبنى بـ (قياسُ الخُلف)

أنّ الشيخَ (قُدّس سرّه) أوردَ نقضاً حليّاً يَهدمُ أصلَ مَبنى الجارودية؛ إذ لو سُلّمَ جدلاً أنّ العترةَ هي الذريةُ بالمعنى الأخصّ (أي الأبناءُ والأحفاد) لخرجَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) -وهو سيدُ العترةِ وأصلُها- عن مسمّى العترةِ بالضرورة؛ لكونِه ليس من ذريةِ النبيِّ (صلّى اللهُ عليه وآله)، وهذا باطلٌ باتفاقِ الكلمة، فثبتَ أنّ حصرَهم للعترةِ في الذريةِ حصرٌ فاسد بالاتّفاق.

قال الشيخ المفيد (قُدّس سرّه): (قالت الجارودية: فإن العترة في اللغة هم اللباب والخاصة، من ذلك قيل: عترة المسك، يراد به خاصته وذلك موجب لكون عترة النبي (صلى الله عليه وآله) ورثته دون غي هم من بني هاشم.

قالت الامامية: أجل عترة النبي (صلى الله عليه وآله)، خاصته ولبابه كما استشهد تم به في المسك، لكنه ليس اللباب والخاصة هم الذرية دون الاخوة والعمومة وبني العم، ولو كان الامر على ما ذكرتموه خرج امير المؤمنين (عليه السلام) من العترة، وهو سيد الائمة وأفضلها، لخروجه من جملة الذرية، وهذا باطل بالاتّفاق) [3].

الوجه الثالث: قول الإمامية في حصر «العترة» بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام):

أنَّ ما أفاده الشيخ (قُدّس سرّه) في توجيه استدلال الطائفة الإمامية بحديث «الثقلين» على إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) يبتني على ثلاث أركان:

الركن الأول: في الدليل (اللغوي):

أنَّ لفظ: «العترة» في لسان العرب موضوعٌ لخصوص الأقارب الأدنَيْن الذين هم لُباب الرجل وخاصته، وأجَلُّ أهله شأناً وفضلاً، وليس المراد هم بني هاشم كلّهم.

قال الفيروز آبادي: (والعترة بالكسر قلادة تعجن بالمسك، ونسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون) [4].

وقال أبو عبيدة وغيره: (عترة الرجل وأسرته وفصيلته رهطه الأدنون…)[5].

وقال ابن الأعرابيّ: (العترة ولد الرجل وذرّيّته وعقبه من صلبه، قال: ” فعترة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولد فاطمة البتول…)[6].

قال الشيخ (قُدّس سرّه): (قالت الامامية: .. أن عترة الرجل كبار اهله واجلهم وخاصتهم في الفضل ولبابهم. وقد ثبت عندنا بأدلة من غير هذا الخبر فضل امير المؤمنين (عليه السلام) في وقته على سائر اهل بيت النبي (عليهم السلام) وكذلك فضل الحسن والحسين (عليهما السلام) من بعده وفضل الائمة من ولد الحسين (عليه السلام) على غيرهم من كافة الناس، فوجب لذلك ان يكون المخلفون فينا من جملة الرسول (صلى الله عليه وآله) هم، دون من سواهم على ما ذكرناه، وانهم العترة للنبي (صلى الله عليه وآله) من جملة أهله لما بيناه) [7].

الركن الثانيّ: في الدليل (الروائي):

أنَّ الوارد في بيانات أئمة الهدى (عليهم السلام) المفسّرة لعنوان العترة، فيهم نعرض فيما يلي لـ «نماذج من تلك الأخبار المستفيضة» التي صرّحت بمصاديق العترة:

1ـ ما رواه الشيخ الصدوق بالإسناد إلى غياث بن إبراهيم، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، قال: « سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي مخلّف فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي، مَن العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله حوضه» [8].

2ـ ما رواه الشيخ الصدوق بالإسناد إلى الريان بن الصلت، قال: «حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمرو… فقال المأمون: من العترة الطاهرة؟ فقال الرضا (عليه السلام): الذين وصفهم الله في كتابه، فقال عزّ وجلّ: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}، وهم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي مخلّف فيكم الثقلين؛ كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، أيها الناس لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم» [9].

3ـ ما رواه الشيخ الصدوق بالإسناد إلى جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي مخلف فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترّقا حتّى يردا عليَّ الحوض، كهاتين – وضم بين سبابتيه -. فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري وقال: يا رسول الله، مَن عترتك؟ قال: عليّ والحسن والحسين والأئمّة من ولد الحسين إلى يوم القيامة»[10].

4ـ ما رواه الخزّاز القميّ بالإسناد إلى عمر بن الخطاب قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أيها الناس، إنّي فرط لكم وإنكم واردون عليّ الحوض، حوضاً عرضه ما بين صنعاء إلى بصرى، فيه قدحان عدد النجوم من فضة، وإنّي سائلكم حين تردون عليَّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، السبب الأكبر كتاب الله، طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. فقلت: يا رسول الله، مَن عترتك؟ قال: أهل بيتي من ولد علي وفاطمة [عليهما السلام] وتسعة من صلب الحسين أئمة أبرار، هم عترتي من لحمي ودمي» [11].

الركن الثالث: في الدليل (القياسيّ):

وهو ما قرّره الشيخ (قُدّس سرّه) من الاستدلال بـ (المقارنة) بين الثقلين؛ حيث قرن النبي (صلى الله عليه وآله) العترة بالقرآن الكريم في وجوب التمسك، والقرآن -بمقتضى كونه وحياً- معصومٌ من الخطأ والزلل، فالمساواة في التمسك تقتضي المساواة في العصمة؛ إذ لا يصحّ شرعاً ولا عقلاً قَرْنُ الخاطئ بـ (المعصوم) في مقام الاحتجاج والاتباع المطلق.

وبناءً على هذا الاستلزام، فإنَّ هذا الوصف بـ (العصمة) لا يتحقق في عموم الأقارب، بل انحصر في الأئمة الاثني عشر بالدليل القاطع؛ تعيَّن انصراف لفظ العترة إليهم، وخروجُ من سواهم من دائرة هذا العنوان الشريف لانتفاء السنخيّة مع الكتاب العزيز.

قال الشيخ (قُدّس سرّه): (ووجه آخر: وهو ان لفظ الخبر في ذكر العترة عموم مخصوص بما اقترن إليه من البيان من قوله (عليه السلام) : ” إنهم لا يفارقون الكتاب ” وذلك موجب لعصمتهم من الآثام ومانع من تلعتق السهو بهم والنسيان، إذ لو وقع منهم عصيان أو سهو في الاحكام لفارقوا به القرآن فيما ضمنه البرهان. وإذا ثبتت عصمة امير المؤمنين (عليه السلام) والائمة من ولده بواضح البيان ثبت انهم المرادون بالعترة من ذكر الاستخلاف [12].

والحمد لله رب العالمين

  1. منهاج السنّة لابن تيميّة ج7ص395 ↩︎
  2. أجوبة المسائل الجاروديّة ص٤١ ↩︎
  3. أجوبة المسائل الجاروديّة ص٤١. ↩︎
  4. القاموس المحيط ج 2ص120. ↩︎
  5. لسان العرب ج 4 ص538 ↩︎
  6. لسان العرب ج4 ص538 ↩︎
  7. أجوبة المسائل الجاروديّة ص٤8. ↩︎
  8. عيون أخبار الرضا ج1 ص60، كمال الدين ص240، معاني الأخبار ص90. ↩︎
  9. الأمالي ص616، عيون أخبار الرضا ج1 ص207. ↩︎
  10. كمال الدين ص244، معاني الأخبار ص91. ↩︎
  11. كفاية الأثر ص92. ↩︎
  12. أجوبة المسائل الجاروديّة ص٤2. ↩︎
Scroll to Top