حل إشكاليةُ تولّي كبار الشيعة ولاية الجائر

نص الشبهة:

إن القول بحرمة الولاية عن السلطان الجائر في الفكر الإمامي يضعهم بين خيارين؛ فإما الإقرار بمشروعية سلطة عمر بن الخطاب، أو الطعن في عدالة سلمان وعمار لقبولهما ولاية المدائن والكوفة في عهده.

وبما أن الطعن في الصحابيين باطل إمامياً، لزم بالضرورة بطلان القول بعدم مشروعية تلك السلطة.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ المستشكل رامَ إثبات الملازمة بين «قبول الولاية» وبين «مشروعية السلطة»، بدعوى أنَّ كبار أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) كـ – سلمان وعمار- قد تقلّدا المناصب من قِبَل السلطة، فلو كانت جائرةً لزمَ خدشُ عدالتهما لمباشرتهما لظلم الجائر، وحيث إنَّ العدالة فيهما مفروغٌ عنها، ثبتَ أنَّ الولاية في نفسها مشروعة.

وعليه يقع الجواب من مقامين نقضاً وحلّاً:

المقام الأول: الجواب النقضيّ (إلزام الخصم):

يُنتقضُ عليه إنَّ الملازمةَ المدّعاةَ بين «قبول الولاية من قِبَل الجائر» وبين «إمضاء شرعيته» هي ملازمةٌ باطلةٌ عَقلاً وشَرعاً؛ وذلك فلو استلزمَ التصدِّي للمنصبِ الفرعيِّ تقريراً لشرعيّةِ الأصلِ الجائر، للزمَ منه القولُ بإمضاءِ النبي يوسف الصدِّيقِ (عليه السلام) لشرعيّةِ سُلطانِ عصرِه الجائر، في قوله: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ}[يوسف: 55]، وهذا تاليٌ بطلانُه بالضرورةِ، فتبطل الملازمةِ المزعومة.

المقام الثاني: الجواب الحلّي (تفكيك الملازمة)

أنَّ تصدّي خُلَّصِ الشيعة للمناصب لم يكن نابعاً من إقرارٍ بشرعية السلطة، بل هو من باب «تزاحم الملاكات»؛ حيثُ وقعَ التعارضُ بين حرمة العمل مع السلطان الجائر وبين مصلحة حفظ كيان المؤمنين وإقامة العدل في الرعية، وحيث إنَّ الثانيةَ أرجحُ مِلاكاً وأهمُّ رتبةً في نظر الشارع الأقدس، قُدِّمَت على الأولى عملاً بقاعدة «تقديم الأهم على المهم». فالفعلُ هنا معللٌ بغاياته ومقاصده الضرورية، لا بـأصل صدوره من السلطان؛ ومن ثَمَّ فلا كاشفية فيه عن شرعية الجائر بوجهٍ من الوجوه. وتحقيقُ القول في ذلك يرجعُ إلى ما استفاضت به الأخبارُ المرويةُ عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في بيان موارد الاستثناء من حرمة معونة الجائر، حيثُ رُخِّصَ في الولاية من قِبَل الجائر ضمن ضوابط نُجملها في الآتي:

أولاً: إقامة العدل في الرعية:

إنّ مشروعية التصدي للمناصب في دولة الجور ليس إقراراً بشرعية السلطان الجائر، بل هو سعيٌ في تجسيد العدل وحفظ رعيّة المؤمنين؛ عملاً بمقتضى ما رواه الصدوق بالإسناد إلى زيد الشحام، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: «من تولى أمرا من أمور الناس فعدل وفتح بابه ورفع ستره ونظر في أمور الناس، كان حقا على الله (عز وجل) أن يؤمن روعته يوم القيامة ويدخله الجنة» [1].

ثانياً: القيام بمصالح المؤمنين:

اقتضى اللطف الإلهي بعباده المؤمنين بذرَ أوليائه في جهاز السلطة الجائرة؛ ليكون وجودهم عيناً ناظرةً تدفع غوائل الظلم. وهذا التواجد -وإن تزيّا بزيّ الولاية من قِبل الجائر- إلا أنه محكومٌ بـحكمة التزاحم؛ تقديماً لـملاك حفظ النفوس وصيانة بيضة الإيمان على مفسدة الظهور بمظهر المعونة، عملاً بما رواه الكليني والصدوق بالإسناد إلى علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): «إن لله عز وجل مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه» [2].

وما رواه الكليني والطوسي بالإسناد إلى مهران بن محمد بن أبي نصر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ما من جبار إلا ومعه مؤمن يدفع الله به عن المؤمنين وهو أقلهم حظا في الآخرة – يعني أقل المؤمنين حظا لصحبة الجبار-»[3].

وما رواه الكليني، والطوسي بالإسناد إلى زيادِ بنِ أبي سلمة قال: دخلتُ على أبي الحسنِ موسى (عليهِ السلام) فقالَ لي: يا زياد إنّكَ لتعملُ عملَ السلطان؟ قالَ: قلتُ: أجل، قالَ لي: .. «يا زيادُ لئِن أسقط مِن جالقٍ فأتقطّعُ قطعةً قطعة أحبُّ إليَّ مِن أن أتولّى لأحدٍ مِنهم عملاً أو أطأ بساطَ أحدِهم .. إلّا لتفريجِ كربةٍ عن مؤمنٍ أو فكِّ أسرِه أو قضاءِ دينِه، يا زياد .. فإن ولّيتَ شيئاً مِن أعمالِهم فأحسِن إلى إخوانِك» [4].

وما رواه الصدوق بالإسناد إلى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان» [5].

ثالثاً: الولاية بالاضطرار (الإكراه):

إنّ قبول الولاية بالاضطرار ترتكزُ على قاعدة دفع الضرر؛ فمتى ما ألزم الجائرُ المكلّفَ بما يورث العسر والحرج، ارتفع التكليف الأولي بحُرمة الولاية لضيق ملاكها في قبال المفسدة المترتبة. وهذا الترخيص الشرعي مستفادٌ من عموم قوله تعالى: {إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آلُ عمران: 28]، وعملاً بما رواه الكليني والصدوق بالإسناد إلى عمرو بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رفع عن أمتي أربع خصال: خطأها ونسيانها وما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا وذلك قول الله عز وجل: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} وقوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان}» [6].

وما رواه البرقي، والكليني بالإسناد إلى إسماعيل الجعفي، ومعمر بن يحيى بن سام، ومحمد بن مسلم، وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له» [7].

والحمد لله رب العالمين

  1. الأمالي ص318. ↩︎
  2. الكافي ج5 ص112، من لا يحضره الفقيه ج3 ص176. ↩︎
  3. الكافي ج5 ص111، تهذيب الأحكام ج6 ص336. ↩︎
  4. الكافي ج5 ص110، تهذيب الأحكام ج6 ص333. ↩︎
  5. من لا يحضره الفقيه ج3ص176. ↩︎
  6. الكافي ج2 ص463، التوحيد ص353، الخصال ص417. ↩︎
  7. المحاسن ج1 ص259، الكافي ج259. ↩︎
Scroll to Top