دراسةٌ نقديةٌ لروايات سِحر النبيّ في مصادر الإمامية

نص الشبهة:

إنّ القول بوقوع السحر على النبيّ (صلى الله عليه وسلم) ليس مختصّاً بمدرسة أهل السنّة، بل هو ثابتٌ أيضاً في بعض مرويات الشيعة الإمامية؛ فقد وردت أخبارٌ في هذا الباب في كتبٍ الشيعة، مثل: «طبّ الأئمة»، و«تفسير فرات الكوفي»، و«دعائم الإسلام»، و«مكارم الأخلاق»، و«الجعفريات» وغيرها.

وعليه، فلا يصحّ جعل القول بعدم وقوع السحر على النبيّ موقفاً مذهبياً خالصاً للإمامية.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى على المتتبّع أنّ مجرّد وجود خبرٍ في كتابٍ من كتب الحديث أو التفسير لا يكفي لإثبات مضمونه، فضلاً عن أن يكون دليلاً على اعتقاد مدرسةٍ بأسرها؛ إذ لا بدّ في مقام الاستدلال من فحص المصدر، وتمييز درجته، والنظر في حال السند، ثم دراسة المتن ومقارنته بالمحكمات القرآنية والعقدية.

ومن هنا، فإنّ دعوى ثبوت سحر النبيّ (صلى الله عليه وآله) في التراث الإمامي تحتاج إلى تحريرٍ دقيق؛ إذ يوجد بونٌ ظاهر بين ما ورد في بعض مصادر الإمامية من أخبارٍ متفرقة في هذا الباب، وبين ما استقرّ عليه الحديث عند جمهور أهل السنّة من رواياتٍ مشهورة في الصحيحين والمسانيد، ولا سيّما ما رُوي من طرق عائشة وابن عباس وزيد بن أرقم وغيرهم.

أما الأخبار التي يُستدلّ بها من مصادر الإمامية، فإنّ عمدتها لا تخلو من إحدى عللٍ: إمّا ضعف السند، أو الإرسال والانقطاع، أو الجهالة في بعض الرواة، أو ورودها في كتبٍ لم يثبت اعتبارها الحديثي عند الإمامية، بحيث لا تصلح تلك الأخبار ـ منفردةً أو بمجموعها ـ لمعارضة الأصول المحكمة في باب عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسلامة مقامه التبليغي.

وقد نبّه العلامة المجلسيّ (قدّس سرّه) إلى ذلك صراحةً، فقال: «والأخبار الواردة في ذلك أكثرها عامية أو ضعيفة ومعارضة بمثلها، فيشكل التعويل عليها في إثبات مثل ذلك» (1).

وعليه، يمكن بيان وجوه ضعف هذه الأخبار على النحو الآتي:

الوجه الأول: ما ورد في كتاب «طبّ الأئمة»:

من جملة ما يُستدلّ به ما ورد في كتاب «طبّ الأئمة» (2). ولا ريب في أنّ هذا الكتاب مشهور في التداول، إلا أنّ شهرته لا تساوق ثبوت اعتباره الحديثي؛ فقد وقع الكلام في مؤلفه ونسبته، ولم يثبت توثيقٌ معتبر لمؤلفيه المنسوبين إلى ابني بسطام بن سابور الزيات -عبد الله والحسین-، وقد صرّح العلامة المجلسي (قدّس سرّه) بقوله: «وكتاب طبّ الأئمة من الكتب المشهورة، لكنه ليس في درجة سائر الكتب لجهالة مؤلفه» (3).

وعليه، فلا يصحّ جعل ما ينفرد به هذا الكتاب أصلاً لإثبات مسألةٍ عقديةٍ خطيرة تتصل بمقام النبوة والعصمة. ثم إنّ الخبر الوارد فيه جاء بطريقين، وكلاهما لا ينهض به حجية:

الطريق الأول: يتضمن رواةً لم تثبت وثاقتهم، منهم «محمد بن جعفر البرسي» و«أحمد بن يحيى الأرمني»، فضلاً عن اشتماله على «محمد بن سنان»، وقد ضعّفه النجاشي بشدة، فقال: «وهو رجل ضعيف جداً، لا يعوّل عليه، ولا يلتفت إلى ما تفرّد به» (4).

هذا مضافاً إلى أنّ مضمون الخبر نفسه لا ينهض بإثبات وقوع السحر وتأثيره في النبيّ (صلى الله عليه وآله)؛ إذ أقصى ما يمكن استفادته منه ـ على فرض ثبوت أصل صدوره ـ أنّ لبيد بن أعصم قصد إلى إيقاع السحر بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، وأمّا ثبوت تأثير ذلك السحر في إدراكه أو تصرفاته فدون إثباته خرط القتاد.

بل إنّ سياق الخبر، على تقدير تمامه، لا يخلو من دلالة على انكشاف الأمر للنبيّ (صلى الله عليه وآله) وإحاطته بحقيقة ما جرى، فلا يصحّ تحميله أكثر مما يحتمل.

الطريق الثاني: فهو أيضاً لا ينهض للاحتجاج؛ لاشتماله على «إبراهيم البيطار»، وهو ممن لم يثبت توثيقه في المصادر الرجالية المعتبرة، فيبقى الخبر من جهة السند غير صالح لإثبات قضيةٍ عقدية تتعلق بعصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فضلاً عن معارضة المحكمات بها.

الوجه الثاني: ما ورد في كتاب: «تفسير فرات الكوفي»:

ومن الأخبار التي يُستدلّ بها ما ورد في كتاب: «تفسير فرات الكوفي» (5). وهذا الكتاب، مع كونه من المصنفات القديمة المتداولة في التراث الإمامي، لم يثبت مؤلفه وتوثيقه بالدرجة التي تجعل جميع مروياته حجةً بمجرد وجودها فيه، فضلاً عن أنّ الكتاب مشتمل على طائفة من المراسيل والأخبار التي لا تستجمع شروط الاعتبار السندي. والخبر المتعلق بالسحر لا يخرج عن هذا الإشكال؛ إذ يشتمل سنده على رواة لم يثبت حالهم، ومنهم «محمد بن عمرو الخزاز» (6)، وكذلك «عيسى بن محمد وجده»، ولم يثبت ما يوجب الاعتماد على روايتهم من جهة الصناعة الرجالية. وعليه، فوجود الخبر في «تفسير فرات» لا يساوي ثبوته عن المعصوم (عليه السلام)، ولا سيما في قضيةٍ عقدية لا يكفي فيها مجرّد ورود الخبر في مصنَّفٍ تراثي.

الوجه الثالث: ما ورد في «دعائم الإسلام»:

ومن جملة ما يُستشهد به أيضاً ما ورد في كتاب: «دعائم الإسلام» (7) للقاضي النعمان المغربي. ومع الاعتراف بمكانة مؤلفه التاريخية والعلمية، فإنّ البحث في حجية الكتاب حديثياً شيءٌ آخر؛ فقد ذهب غير واحد من أعلام الإمامية إلى عدم ثبوت حجية رواياته على النحو المتعارف في كتب الحديث الإمامية، ومنهم صاحب الجواهر والسيد الخوئي (قدّس سرّهما). وقد تعرّض السيد الخوئي لمؤلف الكتاب وموقعه المذهبي، وبيّن الإشكالات المتصلة بالاعتماد على رواياته في مقام الاستنباط (8).

والخبر المتعلق بسحر النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا يخرج عن ذلك؛ إذ هو منقول على نحوٍ لا ينهض معه السند لإثبات الواقعة، لوجود الانقطاع والإرسال بين المؤلف والإمام الصادق (عليه السلام). ومن ثمّ، لا يصحّ الاستدلال به على ثبوت السحر في الاعتقاد الإمامي، فضلاً عن جعله معارضاً للأدلة الدالة على عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله).

الوجه الرابع: ما ورد في «مكارم الأخلاق»:

وأما ما ورد في كتاب: «مكارم الأخلاق» (9) للشيخ الحسن بن الفضل الطبرسي (قدّس سرّه)، فلا يصحّ التعامل معه بمعزل عن منهج المؤلف في الرواية؛ فإنّ الكتاب يشتمل على عددٍ من الأخبار المرسلة التي لا يُذكر فيها تمام الطريق إلى المعصوم (عليه السلام). وبالنظر إلى خصوص الأخبار المتعلقة بالسحر، يتبيّن أنّ طرقها لا تستجمع شرائط الاعتبار السندي، الأمر الذي يمنع من الاستناد إليها لإثبات واقعةٍ عقديةٍ بهذه الخطورة.

وهنا ينبغي التأكيد على قاعدةٍ منهجية مهمة، وهي أنّ جلالة المؤلف لا تستلزم صحة جميع مرويات الكتاب، كما أنّ شهرة الكتاب لا تساوق بالضرورة اعتبار كل ما ورد فيه من الأخبار.

الوجه الخامس: ما ورد في كتاب: «الجعفريات»:

ومن المصادر التي يُستدلّ بها كتاب: «الجعفريات»، المعروف أيضاً بـ «الأشعثيات» (10)، المنسوب إلى محمد بن محمد بن الأشعث. وقد وقع الكلام بين أعلام الإمامية في اعتبار هذا الكتاب وأسانيده، ومن أبرز وجوه المناقشة الرجالية ما يرتبط بـ«موسى بن إسماعيل بن موسى»، الذي لم تثبت وثاقته على نحوٍ يوجب الاعتماد على روايته. وقد نقل الشيخ التوحيدي عن أستاذه السيد الخوئي أنّ الوجوه التي استند إليها القائلون باعتبار الكتاب لا تخرجه عن الجهالة، وأنّ وجود «موسى بن إسماعيل» في أسانيده يوجب التوقف في الاعتماد عليه، فقال: «فإنّ من جملة رواته موسى بن إسماعيل، وهو مجهول الحال في كتب الرجال…» (11).

وبذلك يتضح أنّ مجرد وجود خبر السحر في «الجعفريات» لا يكفي لإثبات صدوره، فضلاً عن إثبات مضمونه العقدي.

ويتحصّل من مجموع ما تقدّم أنّ الأخبار التي يُستند إليها لإثبات سحر النبيّ (صلى الله عليه وآله) في بعض المصادر الإمامية لا تستجمع ـ في الجملة ـ شرائط الحجية الحديثية؛ فمنها ما هو مرسل، ومنها ما هو ضعيف السند، ومنها ما يشتمل على مجاهيل، ومنها ما ورد في كتب لم تثبت حجية جميع مروياتها عند الإمامية.

ومن هنا، فإنّ مجرد جمع هذه الأخبار من مصادر متفرقة، ثم عرضها على القارئ بعنوان «روايات الشيعة في سحر النبي» لا يقدّم بحثاً حديثياً مكتمل الأركان؛ لأنّ العبرة ليست بمجرد وجود الرواية، وإنما بثبوتها سنداً ودلالةً، وبإمكان اعتمادها في مقام بناء الاعتقاد.

وأما من جهة المتن والدلالة:

فبعد الفراغ عن ضعف هذه الأخبار سنداً، لا بدّ من النظر في مضامينها؛ لأنّ الرواية ـ حتى لو افترضنا إمكان تصحيح سندها ـ لا يمكن قبول ظاهرها إذا عارضت محكماً قرآنياً أو أصلاً عقائدياً قطعياً.

الجهة الأولى: معارضة ظاهرها لمقام التنزيه القرآني:

وقد قال سبحانه حاكياً عن المشركين: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا} [الإسراء: 47]. جعل القرآن وصف النبيّ بكونه «مسحوراً» في سياق احتجاج المشركين عليه وطعنهم في مصدر ما يأتي به. ولا يصحّ ـ من ثمّ ـ حمل الآية على نحوٍ يؤدي إلى تصحيح المعنى الذي أراد المشركون إثباته، ولا سيما إذا كان المراد من السحر التأثير في إدراك النبيّ (صلى الله عليه وآله) بحيث يتخيّل وقوع أفعال لم تقع منه حقيقةً. نعم، لا بدّ من التمييز بين مجرّد إصابة الإنسان بأذى بدني أو عارضٍ خارجي، وبين السحر الذي يوجب اختلال الإدراك والتخييل والتصرف؛ فليس كل ما يسمى سحراً في اللغة أو العرف على مرتبةٍ واحدة من حيث الأثر العقدي.

الجهة الثانية: لزوم اختلال الوثوق بالتبليغ:

إنّ مقام النبوة يقتضي ثبوت الوثوق التام فيما يبلّغه النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن الله تعالى، بحيث يأمن المكلّف من احتمال أن يكون ما يصدر عنه في مقام التشريع أو البيان متأثراً بعاملٍ خارجي أخلّ بإدراكه.

فإذا قيل إنّ السحر بلغ من التأثير مبلغاً جعله يتخيّل أنّه فعل شيئاً ولم يفعله، فإنّ هذا لا يعود مجرد مرضٍ بدني لا أثر له في الوظيفة النبوية، بل يتضمن ـ بحسب هذا الفرض ـ تأثيراً مباشراً في الإدراك والتصور.

وحينئذٍ يرد السؤال الجوهري: كيف يطمئن المكلّف إلى أنّ ما صدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مقام البيان والتشريع لم يكن متأثراً بذلك العارض؟

ومن هنا، فإنّ القول بهذا النحو من التأثير يستلزم إشكالاً في الغاية التي من أجلها أرسل الله تعالى الأنبياء؛ إذ إنّ الغرض من بعثتهم إقامة الحجة وإيصال مراد الله إلى المكلفين على نحوٍ يقطع عذرهم، ولا ينسجم ذلك مع فرض اختلال الإدراك النبوي في مقام أداء الوظيفة.

الجهة الثالثة: منافاته لمقتضى العصمة في مقام التبليغ:

إنّ العصمة التي يثبتها الإمامية للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ليست مجرد العصمة من تعمد الكذب أو الخيانة في التبليغ، بل هي ملكة إلهية تقتضي صيانة النبيّ عن كل ما يوجب زوال الوثوق بما يصدر عنه في مقام الهداية والبيان. فإن قيل: إنّ السحر عارضٌ بدنيّ، شأنه شأن سائر الأمراض، ولا يقدح في العصمة.

قلنا: هذا إنما يصحّ لو كان المدعى مجرد إصابة بدنية لا أثر لها في الإدراك أو التبليغ. أما إذا كان المدعى هو ما تتضمنه بعض الروايات من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) «كان يُخيّل إليه أنّه فعل الشيء ولم يفعله»، فالمقام يختلف جذرياً؛ لأنّ الكلام حينئذٍ ليس عن ألمٍ بدني أو مرضٍ لا يمس الوظيفة النبوية، وإنما عن خللٍ مفترضٍ في التصور والإدراك.

والفرق بين الأمرين جوهري؛ إذ لا ملازمة بين جواز المرض البدني للنبيّ وبين جواز اختلال إدراكه في مقام أداء رسالته.

يتضح مما تقدّم أنّ دعوى ثبوت عقيدة سحر النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) اعتماداً على الأخبار الواردة في بعض المصنفات الإمامية دعوى غير محرّرة علمياً؛ إذ إنّ مجرد وجود تلك الأخبار في كتبٍ متقدمة أو مشهورة لا يساوق ثبوتها، فضلاً عن حجيتها.

فالكتب التي أُثيرت في المقام ـ كـ«طبّ الأئمة»، و«تفسير فرات الكوفي»، و«دعائم الإسلام»، و«مكارم الأخلاق»، و«الجعفريات» ـ لا يمكن جعلها جميعاً في رتبةٍ واحدة من الاعتبار، كما أنّ الأخبار الخاصة بالسحر فيها لا تخلو من ضعفٍ أو إرسالٍ أو جهالةٍ أو مناقشةٍ في المصدر.

ثم إنّ الخبر، بعد فرض إمكان ثبوته، لا بدّ أن يُفهم في ضوء المحكمات القرآنية والأصول القطعية في باب النبوة والعصمة، ولا سيما أنّ بعض صور القول بالسحر تتضمن نسبة اختلالٍ إلى الإدراك النبوي بما يوجب إشكالاً مباشراً في الوثوق بالتبليغ.

وعليه، فالمنهج العلمي الصحيح لا يقوم على مجرد مقابلة «روايات السنة» بـ«روايات الشيعة»، وإنما يقتضي أولاً التمييز بين الثابت وغير الثابت، وبين الكتب المعتمدة وغير المعتمدة، ثم نقد الأسانيد، ودراسة الدلالات، وردّ المتشابه إلى المحكم.

وبهذا يظهر أنّ وجود أخبارٍ ضعيفة أو مرسلة في بعض المصنفات الإمامية لا يصحّ أن يُجعل دليلاً على تبنّي الإمامية لوقوع السحر المؤثر في النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولا أن يُعارض به ما تقتضيه أصولهم الكلامية من صيانة مقام النبوة عن كل ما يوجب اختلال الوثوق بالتبليغ والهداية.

والحمد لله رب العالمين.

  1. بحار الأنوار، ج60، ص41. ↩︎
  2. طبّ الأئمة، ص113. ↩︎
  3. بحار الأنوار، ج2، ص30. ↩︎
  4. فهرست أسماء مصنفي الشيعة، ص328. ↩︎
  5. تفسير فرات الكوفي، ص620. ↩︎
  6. تنقيح المقال، ج3، ص164. ↩︎
  7. دعائم الإسلام، ج2، ص139. ↩︎
  8. معجم رجال الحديث، ج20، ص185. ↩︎
  9. مكارم الأخلاق، ج1، ص422. ↩︎
  10. الجعفريات، ج1، ص343. ↩︎
  11. مصباح الفقاهة، ج1، ص182. ↩︎

Scroll to Top