مراتبُ علومِ أئمّةِ الهدى (عليهم السلام)

وردنا سؤال:

هل علوم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الواردة في الروايات على مرتبةٍ واحدة، أم أنّها متفاوتةٌ ذات مراتب، تختلف باختلاف قابليّة الخلق في الاحتمال والتلقّي؟

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنّ علومهم ليست على نسقٍ واحد من حيث القابليّة على التحمّل والإدراك، بل إنّها ذات مراتب متفاوتة؛ فمنها ما هو من الأسرار والعلوم الخاصّة التي لا يحتملها إلا أهلها، ومنها ما أُمروا بتبليغه إلى طائفةٍ مخصوصة من أهل الإيمان ممن أُوتوا قابليّة الاحتمال، ومنها ما أُمروا بإظهاره وبثّه بين عامّة الناس بحسب ما تقتضيه الحكمة ومقتضيات التبليغ.

وهذا التفاوت لا يعني ـ بطبيعة الحال ـ اختلاف الحقيقة العلميّة أو تعدّد مصادر العلم عندهم (عليهم السلام)، وإنّما يرجع إلى اختلاف مراتب البيان، وقابليّات المتلقّين، وما تقتضيه الحكمة من إظهار بعض المعارف وكتمان بعضها عن غير أهلها.

وقد عبّرت الروايات عن بعض هذه المعارف بأنّها «صعبٌ مستصعب»، وعن بعضها بأنّه «سرٌّ من سرّ الله» و«علمٌ من علم الله»، وهي تعبيراتٌ تكشف عن تفاوت مراتب العلوم من جهة احتمالها وإمكان إيداعها عند غير أهلها.

وعليه، يمكن ـ استناداً إلى مجموع هذه الروايات ـ تقسيم علومهم (عليهم السلام)، بلحاظ جهة التحمّل والاحتمال والتبليغ، إلى مراتب ثلاث:

المرتبة الأولى: العلوم الخاصّة التي لا يحتملها إلا أئمّة الهدى (عليهم السلام):

وهي أخصّ مراتب علومهم، وأرفعها من حيث الخصوصيّة؛ وهي التي عبّرت عنها الروايات بأنّها «سرٌّ من سرّ الله» و«علمٌ من علم الله»، وأنّها مما لا يحتمله ملكٌ مقرّب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان.

فقد روى الكليني بالإسناد إلى محمّد بن عبد الخالق وأبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا أبا محمّد، إنّ عندنا والله سرّاً من سرّ الله، وعلماً من علم الله، والله ما يحتمله ملكٌ مقرّب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان، والله ما كلّف الله ذلك أحداً غيرنا، ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا» (1).

وروى الصفّار بالإسناد إلى أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنّ من حديثنا ما لا يحتمله ملكٌ مقرّب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا عبدٌ مؤمن. قلت: فمن يحتمله؟ قال: نحن نحتمله» (2).

وهاتان الروايتان ظاهرتان في إثبات مرتبةٍ من المعارف جعل الله سبحانه تحمّلها من خصائص أئمّة الهدى (عليهم السلام)، فلا يدخل في دائرة ما أُمروا بتبليغه إلى سائر الخلق.

وعليه، فإنّ هذا القسم يمثّل ـ بحسب ظاهر هذه النصوص ـ أخصّ مراتب علومهم وأعلاها من حيث اختصاصهم بتحمّلها، ولا يصحّ إلحاقها بالعلوم التي أُمروا بتبليغها إلى غيرهم.

المرتبة الثانية: العلوم التي يحتملها خواصّ أهل الإيمان:

وهي مرتبةٌ دون السابقة من حيث الخصوصيّة، إلا أنّها من العلوم الدقيقة التي لا يتهيّأ لتحمّلها كلّ أحد، وإنّما يحتملها من بلغ رتبةً مخصوصة من القابليّة والإيمان.

وقد عبّرت الروايات عن أهل هذه المرتبة بثلاث طوائف: النبيّ المرسل، والملك المقرّب، والعبد المؤمن الذي امتحن الله قلبه للإيمان.

ومن ذلك ما رواه الصفّار بالإسناد إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي (عليهما السلام)، أنه قال: «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعب، لا يحتمله إلا ثلاث: نبيٌّ مرسل، أو ملكٌ مقرّب، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان».

ثم قال (عليه السلام): «يا أبا حمزة، ألا ترى أنّه اختار لأمرنا من الملائكة المقرّبين، ومن النبيّين المرسلين، ومن المؤمنين الممتحنين» (3).

وهذا التعبير يكشف عن أنّ مناط الاحتمال ليس مجرّد الانتماء الظاهري إلى الإيمان، بل بلوغ مرتبةٍ خاصّة من الرسوخ والقابليّة، بحيث يكون القلب صالحاً لتحمّل تلك المعارف.

ويؤيّد ذلك ما رواه الكليني بالإسناد إلى محمّد بن عبد الخالق وأبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، في حديثٍ طويل، أنّه قال: «وإنّ عندنا سرّاً من سرّ الله وعلماً من علم الله، أمرنا الله بتبليغه، فبلّغنا عن الله عزّ وجلّ ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حَمَلةً يحتملونه، حتى خلق الله لذلك أقواماً… فبلّغنا عن الله ما أمرنا بتبليغه، فقبلوه واحتملوا ذلك» (4).

ثم بيّن (عليه السلام) أنّ منهم من لم يحتمل ذلك فردّه وكذّب به، وأمرهم (عليهم السلام) بالكفّ والستر والكتمان عمّن لا يكون أهلاً له.

وهذا النصّ من أوضح الشواهد على أنّ تبليغ علوم أهل البيت (عليهم السلام) كان تابعاً لملاك القابليّة والاستعداد، وأنّهم لم يكونوا يبثّون جميع ما عندهم على نحوٍ واحد بين جميع الناس.

ويشهد لذلك أيضاً ما رواه الصفّار بالإسناد إلى الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين المرتضى على بن أبى طالب (عليهما السلام)، أنّه قال: «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعب، خشنٌ مخشوش، فانبذوا إلى الناس نبذاً، فمن عرف فزيدوه، ومن أنكر فأمسكوا، لا يحتمله إلا ثلاث: ملكٌ مقرّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبدٌ مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان» (5).

فالحديث الشريف يضع ضابطةً منهجيّةً في مقام نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام)، وهي مراعاة حال المتلقّي، وعدم إلقاء المعارف الدقيقة إلى من لا يملك قابليّة احتمالها.

ومن الشواهد المهمّة في هذا الباب ما رواه العماد الطبري بالإسناد إلى صالح بن ميثم، عن أبيه، في حديث ميثم والأصبغ، وفيه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) استشهد بقصّة موسى والخضر (عليهما السلام)، وبيّن أنّ موسى، مع عظيم منزلته وكونه من أولي العزم من الرسل، لم يحتمل بعض ما شاهده من علم الخضر (عليه السلام)، كما استشهد بموقف الملائكة من علم آدم (عليه السلام).

ثم قال (عليه السلام) ـ في بيان فضل المؤمنين الذين احتملوا أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ: «فهل رأيت احتملوا ذلك إلا من عصمه الله منهم… فإنّ الله تعالى قد خصّكم بما لم يخصّ به الملائكة والنبيين والمرسلين فيما احتملتم من أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلمه» (6).

وهذا النصّ يدلّ على أنّ مجرّد علوّ المنزلة لا يستلزم القدرة على احتمال كلّ مراتب العلم، بل قد يختصّ بعض الخلق بقابليّةٍ دون بعض، بحسب ما منحه الله تعالى من الاستعداد والعصمة والتوفيق.

كما روى الكليني بالإسناد إلى ابن سنان ـ أو غيره ـ مرفوعاً إلى أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعب، لا يحتمله إلا صدورٌ منيرة، أو قلوبٌ سليمة، أو أخلاقٌ حسنة» (7).

وهو شاهدٌ آخر على أنّ تحمّل علومهم (عليهم السلام) ليس أمراً متاحاً على حدٍّ سواء لجميع الناس، وإنّما يرتبط بسلامة الباطن، ونور القلب، وحسن السيرة، وقابليّة النفس.

ومن ذلك أيضاً ما رواه الصفّار والكليني بالإسناد إلى مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، أنّه قال: «والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق؟ إنّ علم العلماء صعبٌ مستصعب، لا يحتمله إلا نبيٌّ مرسل، أو ملكٌ مقرّب، أو عبدٌ مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان» (8).

وهذا يؤكّد تفاوت الناس في قابليّة تحمّل المعارف، حتى بين أولياء الله وأهل الإيمان، فضلاً عن سائر الخلق.

المرتبة الثالثة: العلوم التي أُمروا بتبليغها لعامة الناس:

وهي عموم المعارف والأحكام والهدايات التي أُمر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ببيانها وإيصالها إلى الناس، ممّا تقتضيه وظيفة الإمامة في هداية الخلق وإقامة الحجّة عليهم.

وتدخل في هذه المرتبة المعارف العقديّة والأحكام الشرعيّة والآداب والأخلاق وسائر ما صدر عنهم (عليهم السلام) في مقام التعليم والإرشاد، وكان في متناول جمهور الناس من حيث أصل الفهم والاحتمال.

ومن هنا يظهر أنّ كون العلم صادراً عن الإمام (عليه السلام) لا يعني بالضرورة أنّه من العلوم الخاصّة التي لا يحتملها إلا الخواص، بل لا بدّ من ملاحظة مقام صدور الكلام، وموضوعه، وقرائن الرواية، ومخاطَبه، ومدى قابليّة المتلقّي.

يتحصّل من مجموع الروايات المتقدّمة أنّ علوم أئمّة الهدى (عليهم السلام) ليست على مرتبةٍ واحدة من حيث مقام التحمّل والتبليغ، بل يمكن تصنيفها ـ بهذه الجهة ـ إلى ثلاث مراتب:

الأولى: علومٌ وأسرارٌ خاصّة، اختصّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بتحمّلها، ولم تكن مأموراً بتبليغها إلى غيرهم.

الثانية: علومٌ دقيقةٌ صعبةٌ مستصعبة، أُودعت عند من أُوتي قابليّة خاصّة لتحمّلها، كالملك المقرّب، والنبيّ المرسل، والمؤمن الذي امتحن الله قلبه للإيمان.

الثالثة: علومٌ ومعارف وأحكام أُمروا (عليهم السلام) بتبليغها إلى عموم الناس، بحسب مقتضيات الهداية والتشريع، وبمقدار ما يحتمله المخاطَبون.

والحمد لله ربّ العالمين.

  1. الكافي، ج١، ص٤٠٢. ↩︎
  2. بصائر الدرجات، ج١، ص٤٣. ↩︎
  3. الكافي، ج١، ص٤٠٢. ↩︎
  4. بصائر الدرجات، ج١، ص٤١. ↩︎
  5. بشارة المصطفى، ص٢٣٧. ↩︎
  6. بصائر الدرجات، ج١، ص٤٢. ↩︎
  7. الكافي، ج١، ص٤٤٩. ↩︎
  8. بصائر الدرجات، ج١، ص٤٥؛ الكافي، ج١، ص٤٠١. ↩︎
Scroll to Top