وردنا سؤال:
ما المراد من قوله (عليه السلام) «لا يحتمله» في الحديث: «حديثنا صعبٌ مستصعبٌ، لا يحتمله إلّا ثلاث: مَلَكٌ مقرّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبدٌ مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان»؟
الإجابة:
بسم الله الرحمن الرحيم
ينبغي قبل بيان المراد من قول الحجج الإلهية (عليهم السلام): «لا يحتمله»، الالتفات إلى أنّ نصوصهم (عليهم السلام) قد بيّنت أنّ علومهم ومقاماتهم ليست على رتبة واحدة، بل منها ما هو ظاهرٌ مألوفٌ يمكن لعموم شيعتهم تلقّيه، ومنها ما هو من دقائق المعارف وحقائق الولاية ومقاماتهم، وهو الذي عبّرت عنه الروايات بـ «الصعب المستصعب»؛ أي الذي يعسر على النفوس إدراكه واستيعابه، ولا يطيق حمله إلا من بلغ من الإيمان والتسليم مرتبةً مخصوصة.
ومن هنا يمكن حمل قوله (عليه السلام): «لا يحتمله» على معنيين، دلّت على كلٍّ منهما طائفةٌ من الروايات:
المعنى الأول: «لا يحتمله» بمعنى لا يطيق إدراكه واستيعابه:
المراد حينئذٍ أنّ حديثهم (عليهم السلام) يشتمل على معارف دقيقة، ومقامات رفيعة، وحقائق تتعلّق بأمر الولاية والإمامة وما أودع الله تعالى حججه من العلم، بحيث لا تطيق النفوس إدراكها على وجهها، ولا تستوعب مضامينها إلا من استكمل شرائط الإيمان والتسليم، وبلغ مرتبةً عاليةً من الطهارة الروحية والكمال المعرفي. ويشهد لهذا المعنى:
1ـ ما رواه الصفّار بالإسناد إلى أبي بصير، قال: قال أبو جعفر الباقر محمد بن علي (عليهما السلام): «حديثنا صعبٌ مستصعب، لا يؤمن به إلا ملكٌ مقرّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان، فما عرفت قلوبكم فخذوه، وما أنكرت فردّوه إلينا» (1).
فالتعبير بـ «ما عرفت قلوبكم فخذوه، وما أنكرت فردّوه إلينا» ظاهرٌ في أنّ بعض معارفهم (عليهم السلام) قد يعلو على مدارك المخاطبين، فلا يصحّ أن يكون عدم استيعابهم لها موجبًا للردّ والإنكار، بل الوظيفة عند عدم إدراكها ردُّها إلى الإمام العالم (عليه السلام).
2ـ وما رواه الصفّار أيضًا بالإسناد إلى الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، أنّه قال: «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعب، خشنٌ مخشوش، فانبذوا إلى الناس نبذًا، فمن عرف فزيدوه، ومن أنكر فامسكوا، لا يحتمله إلا ثلاث: ملكٌ مقرّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبدٌ مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان» (2).
3ـ وما رواه بالإسناد إلى عمرو بن شمر، عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي (عليهما السلام)، قال: «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعب، أجردُ ذكوان، وعرٌ شريفٌ كريم، فإذا سمعتم منه شيئًا ولانت له قلوبكم فاحتملوه، واحمدوا الله عليه، وإن لم تحتملوه ولم تطيقوه فردّوه إلى الإمام العالم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) …» (3).
وهذا النصّ من أوضح الشواهد على هذا المعنى؛ إذ قابل الإمام (عليه السلام) بين الاحتمال وعدم الطاقة، فقال: «إن لم تحتملوه ولم تطيقوه»، ففسّر الاحتمال هنا بالطاقة على التلقي والاستيعاب.
وعليه، فليس المراد من وصف الحديث بـ «الصعب المستصعب» أنّ مضمونه باطلٌ أو ممتنعُ الفهم على نحو الإطلاق، ولا أنّ معارفه خارجةٌ عن دائرة الإدراك البشري مطلقًا؛ بل المراد أنّه من المعارف العميقة والدقائق الرفيعة التي يَصعُب على غير أهلها إدراكُ حقائقها، ويعسر عليهم حملُها وقبولُ لوازمها، ولا ينهض بأعبائها إلا من رسخ إيمانه، واستقام يقينه، وتمكّن من مقام التسليم للحجج الإلهية (عليهم السلام).
ومن هنا يظهر أنّ تفاوت الناس في تحمّل هذه المعارف ليس تابعًا لمجرّد قوة الذكاء أو كثرة التحصيل العلمي، بل يرتبط بمدى رسوخ الإيمان والتسليم وقابلية النفس لتلقّي مقامات العترة الطاهرة (عليهم السلام). فقد يعجز العالم المخالف، مع ما لديه من سعة الاطلاع وكثرة المعارف، عن تقبّل بعض مقاماتهم (عليهم السلام)؛ لما يحكم به مسبقًا من مبانٍ عقدية تحدّ من قابليته لقبول تلك المقامات، في حين قد يتحمّلها المؤمن الموالي، وإن كان من عامة الناس وبسطائهم، لما استقر في قلبه من الإيمان والتسليم والتعظيم لأهل بيت النبوة (عليهم السلام).
فالمناط إذن ليس مجرّد التخصّص العلمي، وإنما قابلية القلب لحمل هذه المعارف والإذعان بلوازمها؛ ولذلك قد يكون البسيط المؤمن أوسعَ تحمّلًا لبعض أسرار فضائلهم ومقاماتهم من صاحب العلم الذي لم يرسخ في قلبه أصل التسليم لهم (عليهم السلام). وقد دلّت الروايات على أنّ من خصائص شيعة أهل البيت (عليهم السلام) الخلّص أنّهم كانوا أسبق الناس إلى التسليم لمقاماتهم ومعارفهم، وأشدّهم ثباتًا عليها. فقد روى الكليني بالإسناد إلى عبد الله بن الوليد، قال: دخلنا على أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) في نفرٍ من أهل العراق، فقال لنا: «مِمَّن أنتم؟ قلنا: من أهل الكوفة. فقال (عليه السلام): «ما من البلدان أكثر محبّةً لنا من أهل الكوفة، لا سيما هذه العصابة، إنّ الله هداكم لأمرٍ جهله الناس، فأحببتمونا وأبغضنا الناس، وبايعتمونا وخالفنا الناس، وصدّقتمونا وكذّبنا الناس، فأحياكم الله محيانا وأماتكم مماتنا» (4).
المعنى الثاني: «لا يحتمله» بمعنى لا يستطيع حفظه وكتمانه:
وهذا معنى آخر دلّت عليه نصوص صريحة عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، وحاصله أنّ بعض أحاديثهم وأسرار ولايتهم لا يحتملها بعض الناس بمعنى أنّه لا يقدر على حفظها في كتمانها عن غير أهلها، فيدفعه عدم قدرته على الكتمان إلى إذاعتها وإخراجها إلى غير أهلها. ومن أوضح النصوص في ذلك:
1ـ ما رواه الكلينيّ في المكاتبة المروية إلى أبي الحسن الهادي علي بن محمد (عليهما السلام): جعلت فداك، ما معنى قول الصادق (عليه السلام): حديثنا لا يحتمله مَلَكٌ مقرّب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان؟
فجاء جوابه (عليه السلام): «إنّما معنى قول الصادق (عليه السلام) – أي: لا يحتمله ملك ولا نبي ولا مؤمن – أنّ الملك لا يحتمله حتى يخرجه إلى ملكٍ غيره، والنبيّ لا يحتمله حتى يخرجه إلى نبيٍّ غيره، والمؤمن لا يحتمله حتى يخرجه إلى مؤمنٍ غيره، فهذا معنى قول جدّي (عليه السلام)» (5).
وهذا النصّ صريح في تفسير عدم الاحتمال بعدم القدرة على كتمان الحديث، وحمله في النفس من غير إخراجٍ وإفشاء.
2ـ وما رواه الكليني بالإسناد إلى عبد الأعلى، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: «إنّه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله… حدّثوهم بما يعرفون، واستروا عنهم ما ينكرون…» (6).
فالإمام (عليه السلام) لم يجعل احتمال أمرهم مساوقًا للتصديق والقبول فحسب، بل أدخل فيه الستر والصيانة والكتمان، وهو ما يكشف عن أنّ «الاحتمال» في بعض موارد الروايات معنى أوسع من مجرّد الفهم والإدراك.
ولهذا أكّد أئمة الهدى (عليهم السلام) على ضرورة كتمان أسرارهم، وعدم إذاعتها إلى غير أهلها، لما كان لإفشاء تلك المعارف من آثار خطيرة، ولا سيما في ظلّ الظروف السياسية والأمنية التي أحاطت بهم وبشيعتهم. فقد روى الكليني والصدوق بالإسناد إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام): «وددتُ والله أنّي افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي: النَّزَق وقلّة الكتمان» (7).
فالمراد بـ الكتمان هنا حفظ ما ينبغي حفظه من أحاديثهم وأسرارهم ومقاماتهم عن غير أهلها، وعدم تحويل المعارف الخاصة إلى مادةٍ للإذاعة والتداول في غير مواضعها.
وقد بيّن العلّامة المازندراني (رحمه الله) أنّ شدة التقية في عصر الأئمة (عليهم السلام) اقتضت أمر شيعتهم بكتمان أسرارهم وإمامتهم وأحاديثهم وأحكامهم المختصة عن المعاندين وغير العارفين، حفظًا لأنفسهم ولدينهم من بطش المخالفين (8).
ويؤيّد ذلك ما ورد في شأن المعلّى بن خنيس، حيث قال الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): «إنّ لي حديثًا، من حفظه علينا حفظه الله، وحفظ عليه دينه ودنياه، ومن أذاعه علينا سلبه الله دينه ودنياه…» (9).
ثم بيّن (عليه السلام) عاقبة كتمان الصعب من حديثهم وعاقبة إذاعته.
وبناءً على مجموع هذه الروايات، يتضح أنّ «لا يحتمله» ليس له معنى واحد بالضرورة في جميع موارد حديث الأئمة (عليهم السلام)، بل يختلف المراد بحسب السياق والقرائن.
فتارةً يكون المراد بـ الاحتمال: الطاقة على الفهم والإدراك وحمل المعنى؛ أي أنّ هذه المعارف من الدقائق التي لا يطيق إدراكها إلا من امتحن الله قلبه للإيمان، وهذا هو الذي يظهر من الروايات التي قرنت الاحتمال بالطاقة، كقوله (عليه السلام): «إن لم تحتملوه ولم تطيقوه».
وتارةً يكون المراد بـ الاحتمال: القدرة على الحفظ والكتمان وعدم الإذاعة؛ أي أنّ بعض الناس وإن أدرك شيئًا من تلك المعارف، إلا أنّه لا يستطيع أن يكتمها ويحفظها عن غير أهلها، فيكون عدم احتماله بمعنى عدم قدرته على صيانتها من الإفشاء، وهذا هو الذي صرّح به الإمام الهادي (عليه السلام) في تفسير كلام جدّه الصادق (عليه السلام).
وعليه، فالمعنيان متغايران من جهة المفهوم، وإن كانا متلازمين في بعض الموارد؛ إذ إنّ حمل المعارف العالية يتوقف على سعة القلب ورسوخ الإيمان، كما أنّ حفظها وصيانتها يتوقف على قوة النفس وضبطها وبلوغها مرتبةً من الحكمة والتقوى تمنعها من إذاعة ما لا ينبغي إذاعته.
ومن هنا يظهر أنّ وصف حديثهم (عليهم السلام) بأنّه «صعبٌ مستصعب» لا يراد به مجرّد الغموض اللفظي أو التعقيد العلمي، وإنما يشمل صعوبة إدراك بعض حقائق الولاية ومقامات الحجج الإلهية، وصعوبة حملها على وجهها، وصعوبة صيانتها وكتمانها عن غير أهلها.
والحمد لله ربّ العالمين.




