دراسةٌ نقدية لروايات سحر النبي في كتب الشيعة

نص الشبهة:

إنَّ القولَ بوقوع السحر على النبي، ليس حكراً على مدرسة أهل السنة، بل هو ثابتٌ أيضاً في مرويات الإمامية، فقد ورد في أمهات كتبهم مثل: كتاب “طب الأئمة”، و”تفسير فرات الكوفي”، و”دعائم الإسلام”، و”مكارم الأخلاق”. و”الجعفريات” وغيرها.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم إنَّ المستقرئ للآثار عند الفريقين يلمس بوناً شاسعاً بين ما استقرّت عليه مروياتُ أبناء العامة في مصادرهم المعتبرة -كطريق عائشة وابن عباس وزيد بن أرقم- المروية في الصحاح والمسانيد، وبين ما تضمنته مرويات الشيعة؛ إذ إنَّ ما يُتوهّم وروده في مصادرنا المعتبرة؛ فإنّ جُلَّ ما استُدلَّ به من مروياتنا لا يخرج عن كونه مراسيلَ، أو ضعيفة الإسناد، أو مما تفرّدت به كتبٌ لا تُعدّ من الأصول المعتبرة عند الإمامية، كـ”تفسير فرات” و”دعائم الإسلام”، بل إنّ بعضها مجهول النسبة كـ”طب الأئمة” المنسوب لابني بسطام، فلا تنهضُ تلك الأخبار لمعارضة القواعد المحكمة في عصمة سيد الأنام.

لقد نصَّ المحققون من علماء الإمامية على وهن هذه الروايات؛ ومن ذلك ما قرره العلامة المجلسيّ (طاب ثراه) بقوله: «والأخبار الواردة في ذلك أكثرها عامية أو ضعيفة ومعارضة بمثلها، فيشكل التعويل عليها في إثبات مثل ذلك» [1].

ومما يعضد القول بوَهَنِ هذه الروايات في التراث الإمامي، الوجوه التالية:

الوجه الأول: ما تفرّد به كتاب «طبّ الأئمّة»[2].

وإن عُدَّ من الكتب المشهورة تداولاً، إلا أنه ليس في مصافِّ الأصول المعتبرة؛ لعلّة الجهالة في مُصنِّفيه (ابني بسطام)، وهو ما نصّ عليه العلامة المجلسي (طاب ثراه) بقوله: (وكتاب «طب الأئمة» من الكتب المشهورة لكنه ليس في درجة سائر الكتب لجهالة مؤلفه) [3]. وعليه فلا ينهضُ للاحتجاج في قبال الأصول الصريحة، لا سيما وقد اشتمل على طريقين:

الطريق الأول: ضعيف الإسناد بجهالة «محمد بن جعفر البرسي» و«أحمد بن يحيى الأرمني»، ناهيك عن اشتماله على «محمد بن سنان»، وهو ضعيف جدا؛ لشهادة النجاشي فيه بسقوطه عن الاعتبار وعدم الالتفات لتفرداته؛ حيث قال فيه: (وهو رجل ضعيف جدا لا يعول عليه ولا يلتفت إلى ما تفرد به)[4].

ثم إنّ هذا الخبر -على فرض التسليم بصحته- قاصرُ الدلالة على المدعى؛ إذ غاية ما يستفاد منه هو قصد لبيد بن أعصم اليهودي لسحر النبي لا وقوعه، بل هو في عدم التأثير أظهر؛ لنزول الوحي بالإخبار والتحذير قبل ترتيب الأثر.

الطريق الثاني: ضعيف الإسناد بجهالة «إبراهيم البيطار»؛ إذ لم يرد له ذكرٌ في الأصول الرجالية المعتبرة، فيبقى في دائرة المجاهيل الذين لا تقوى روايتهم على إثبات حكمٍ فرعي، فضلاً عن مسألةٍ عقديةٍ تتصل بمقام العصمة والقدوة.

الوجه الثاني: ما تفرّد به كتاب: «تفسير فرات الكوفي» [5].

مؤلفه فرات بن إبراهيم الكوفي، زيدي المذهب لم يُوثّق بنصٍ صريح من المتقدمين كما أن كتابه ممتلئ بالمراسيل؛ حيث يُسقط الوسائط بينه وبين أئمة الهدى، وما رُوي فيه من حادثة السحر ضعيفة الإسناد، بجهالة حال «محمد بن عمرو الخزاز» [6]، ونحوه «عيسى بن محمد وجده»، إذ لم يترجما في الأصول الرجالية.

الوجه الثالث: ما تفرّد به كتاب: «دعائم الإسلام» [7].

مؤلفه القاضي النعمان المغربي الإسماعيلي المذهب، ورغم جلالة قدره عند البعض، إلا أنَّ جماعة من أساطين الفقهاء – وفي طليعتهم صاحب الجواهر والسيد الخوئي (قدس سرهما) – ذهبا إلى عدم حجية كتاب «دعائم الإسلام» ومؤلفه مطعون في عقيدته، مما يجعله خارجا عن دائرة المذهب الإمامي [8]، وما رُوي فيه من حادثة السحر ضعيفة الإسناد، بالإرسال؛ إذ يوجد انقطاع بيّنٌ بينه وبين الإمام الصادق (عليه السلام)، مما يدرجها في عداد المراسيل.

الوجه الرابع: ما تفرّد به كتاب: «مكارم الأخلاق» [9].

مؤلفه الشيخ الفاضل الحسن بن الفضل الطبرسيّ (طاب ثراه)، رغم جلالة قدره وكون كتابه من الكتب المشهورة، إلا أنه ممن عُرِفَ بإيراد المراسيل.

وبالنظر في خصوص ما نقله في هذا الباب، نجدُ الخبر قد جاء من طريقين قاصرين؛ لعلّةِ الإرسال التي تمنع من اتصال السند إلى أئمة الهدى (عليه السلام).

الوجه الخامس: ما تفرّد به كتاب: «الجعفريات» [10].

هذا الكتاب يُعرَف أيضا بـ «الأشعثيّات»، نسبة إلى راويه محمد بن محمد بن الأشعث، تكلم بعض العلماء، في اعتباره كالسيد الخوئي، الذي ضعف سنده لاشتماله على (موسى بن إسماعيل بن موسى) الذي اعتبره مجهول الحال.

قال الشيخ التوحيدي في هامش «مصباح الفقاهة»: (قد أشرنا مرارا عديدة إلى وثاقة كتاب الاشعثيات المسمى بالجعفريات، ولكن تبين أخيرا لسيدنا الاستاذ (ادام الله ايام إفاضاته) : أن الوجوه التي استند إليها القائلون باعتبار الكتاب لا تخرجه عن الجهالة، فان من جملة رواته موسى بن اسماعيل، وهو مجهول الحال في كتب الرجال، ومهما بالغ المحدث النوري في اعتباره وتوثيق رواته، إلا أن ما افاده لا يرجع إلى معنى محصل تركن إليه النفس، ويطمئن به القلب) [11].

أقول: بعد الفراغ من توهين الأسانيد ورميها بالضعف والإرسال، لا بدَّ من المصير إلى المتن؛ فإنَّ هذه الأخبار مصادمةٌ لـ محكمات الكتاب والضرورات العقدية وذلك من عدة جهات نذكر بعضا منها كالتالي:

الجهة الأولى: مخالفتها لصريح النص القرآني؛ إذ حكى سبحانه قول المشركين: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا} [الإسراء: 47].

فلو جاز وقوع السحر، لَصَدَقَ زَعْمُ الكفار؛ وحيث إنَّ التالي باطلٌ بـنصِّ التنزيه القرآني، فالمُقَدَّمُ مِثْلُه في البطلان، لاستلزامه مُشابهةَ مذهبِ المشركين في الطعن بسلامة الوحي.

الجهة الثانية: لو جاز طروُّ السحر على مقام النبوة، لانتفى الوثوق المعتبر بما يُبلّغه من الشرائع؛ إذ يلزم من ذلك تطرّق الاحتمال بكون وحيه من قبيل التخيلات النفسانية، فيرتفع الأمان التشريعي وتنهدم قاعدة اللطف.

الجهة الثالثة: أن القول بوقوع السحر على النبي محمد (ص) يتنافى مع العصمة المطلقة.

فإن قيل: إن السحر عارض بدني بمنزلة الأمراض التي لا تخلّ بمقام العصمة ولا تمسّ الوعي والتبليغ.

قُلنا: إن هذا قياسٌ مع الفارق؛ إذ المدّعى في نصوص السحر ليس مجرد التألم البدني، بل هو تصرفٌ في القوى الإدراكة وخيالات النفس، بدليل ما ورد فيها من أنه (كان يُخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله)، وهذا عينُ الخلل في ملكة العصمة، إذ بوقوعه يرتفع الوثوق التام بالصادر عنه (صلى الله عليه وآله)، فتنتفي الغاية من البعثة، وهو باطلٌ بالضرورة.

والحمد لله رب العالمين

  1. بحار الأنوار ج60 ص41. ↩︎
  2. طب الأئمة ص113 ↩︎
  3. بحار الأنوار ج2 ص30 ↩︎
  4. فهرست النجاشي ص 328 ↩︎
  5. تفسير فرات الكوفي ص620. ↩︎
  6. تنقيح المقال، ج3، ص164. ↩︎
  7. دعائم الإسلام ج2 ص139. ↩︎
  8. معجم رجال الحديث ج20 ص185. ↩︎
  9. مكارم الأخلاق ج1 ص422. ↩︎
  10. الجعفريات ج1 ص343. ↩︎
  11. مصباح الفقاهة ج1 ص182. ↩︎
Scroll to Top