وردنا سؤال:
حرّر المدعوّ عليّ حسين السائح، الأستاذ في كليّة الدعوة الإسلاميّة بليبيا، مقالًا موسومًا بـ«تراثنا وميزان النقد»، والمنشور في العدد العاشر من مجلّة الكليّة سنة 1993م (ص 213)، زعم فيه أنّ ما عليه الإماميّة من القول بامتداد عمر الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وبقائه حيّاً لأكثر من ألف عام، أمرٌ غير ممكن، وخارجٌ عن السنن المعهودة في أعمار البشر.
فهل يمكن تحرير جوابٍ علميٍّ رصينٍ يتكفّل بدفع هذه الدعوى ورفع الشبهة؟
الإجابة:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أنّ هذه الشبهة إنّما تنشأ من عدم التمييز الدقيق بين حدَّي الامتناع الذاتيّ والاستبعاد العاديّ؛ إذ ليس كلّ ما خرج عن دائرة الأُلفة والعادة يُقضى عليه بالاستحالة في نفسه، بل الضابط في باب الإمكان هو خلوّ الشيء عن استلزام التناقض، لا مجرّد مخالفته للمألوف.
وعليه نقول: لا ريب في أنّ امتداد عمر الإنسان إلى أمدٍ مديدٍ وقرونٍ متطاولة ممّا لا يحكم العقل باستحالته، ولا ينهض برهان على امتناعه في الخارج؛ إذ ليس في ذاته ما يوجب التنافي أو التناقض، وإنّما غايته أنّه أمرٌ نادر الوقوع خارج عن السنن الغالبة.
وبيان ذلك يقع من وجهين:
الوجه الأوّل: في الإمكان العقليّ
إنّ بقاء الإنسان حيّاً لآمادٍ متطاولة داخلٌ في حيّز الممكن الذاتيّ، إذ لا يستلزم فرضه محذوراً عقليّاً، ولا يفضي إلى اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، فيكون ممكناً بالقياس إلى ذاته، لا يعرضه امتناعٌ من جهة العقل.
ويشهد لذلك ـ تأييداً وتقريباً ـ ما نطق به الكتاب العزيز في قصّة نبيّ الله نوح (عليه السلام)، حيث قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت: ١٤]، وهو نصٌّ ظاهر في تحقّق العمر المديد في وعاء الخارج، بلحاظ مدّة دعوته خاصّة، فضلاً عمّا تقدّم عليها وتأخّر عنها.
فثبت بذلك أنّ طول العمر، وإن كان نادراً بحسب مجاري العادات، وخارجاً عن الغالب المألوف، إلّا أنّه غير ممتنعٍ بحسب حكم العقل، ولا موجب لرفعه عن حيّز الإمكان.
الوجه الثاني: في الإمكان الوقوعيّ (الخارجيّ)
وهو ما تشهد به القرائن الخارجيّة، وتنهض به الشواهد النقليّة التي أذعن بها المخالف قبل الموافق؛ فإنّ ثبوت النظير كافٍ في رفع دعوى الاستبعاد، بل في تقويض أساسها. ونقتصر على مثالين:
الأوّل: في قضيّة الدجّال
فإنّ طائفةً من نصوص العامّة ـ ممّا أُودع في الصحاح والمسانيد ـ دالّةٌ على كونه موجوداً من عصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى آخر الزمان [1]، مع كونه بشراً تجري عليه أحكام البشريّة [2]. وهذا بعينه إقرارٌ صريحٌ بإمكان امتداد العمر في فردٍ من أفراد الإنسان إلى قرونٍ متطاولة، وهو المطلوب.
الثاني: في القول بحياة الخضر (عليه السلام)
وهو ممّا عليه جمهور علماء أهل السنّة، بل حُكي فيه الاتّفاق بين أرباب السلوك والمعرفة، وقد أفردوا لإثباته مصنّفاتٍ مستقلّة، وصرّح غير واحدٍ ـ كالنووي وابن الصلاح ـ ببقائه إلى الآن. فإذا ثبت عندهم جواز بقاء إنسانٍ هذه المدّة المديدة، لم يبقَ وجهٌ لاستبعاد بقاء غيره، مع تساوي النسبة في الإمكان.
وإذا عرفت ذلك فاعلم: إنّ طول عمر الإمام (عليه السلام) ليس من سنخ المستحيلات، بل هو مندرجٌ في حيّز العقل، بل هو داخلٌ في دائرة الإمكان بنوعيه:
أمّا الإمكان العقلي: فلعدم استلزامه محذوراً ذاتيّاً، ولا انطوائه على جهة تناقضٍ أو استحالةٍ في نفس الأمر.
وأمّا الإمكان الوقوعي: فلقيام الشواهد عليه في النصوص النقليّة، وتظافر القرائن التاريخيّة الدالّة على وقوع نظائره في الأمم السالفة.
وإنّما منشأ الاستبعاد هو الأُنس بالعادة، لا قيام البرهان على الامتناع؛ والعادة ـ بما هي عادة ـ لا تنهض دليلاً في قبال الإمكان العقليّ، ولا تصلح لمعارضته.
وقد أومأ إلى هذا المعنى السيّد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه)، حيث قرّر أنّ امتداد العمر إلى آلاف السنين أمرٌ لا يأباه العقل، وإن لم تتيسّر أسبابه ضمن الوسائط العلميّة المتاحة، وهذا غايته عدم الوقوع بحسب المتعارف، لا الامتناع في نفسه [3].
والمتحصّل ممّا تقدّم: أنّ بقاء الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هذه المدّة الطويلة لا يَرِدُ عليه إشكالٌ من جهة العقل، ولا يمتنع وقوعه في الخارج، بل تؤيّده الشواهد، ويعضده النظير؛ وعليه فدعوى إنكاره ليست إلّا استبعاداً ناشئاً من ضيق دائرة المألوف، لا من سعة دائرة الإمكان.
والحمد لله رب العالمين




