العللُ المستنبطةُ في تعدّد أزواج النبيّ محمّد

نص الشبهة:

يُثار إشكالٌ حول تعدّد زوجات نبي الإسلام محمّد إلى ما زاد على الأربع، حيث يُستغرب من تبرير هذا العدد، فهو لا يخلو عن الانقياد لداعي الشهوة. فهل ينسجم هذا الاستثناء مع إدعاء الكمال التشريعيّ له!؟

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الغريزة الجنسيّة ممّا جُبل عليه الإنسان، بل تشترك فيها سائر الحيوانات، وهي في أصلها وسيلةٌ لحفظ النوع واستمرار النسل، فلا يُذمّ أصلها ولا يُعاب وجودها. وإنّما مورد الذمّ ما إذا طغت عن حدّ الاعتدال، وتجاوزت الضوابط العقليّة والشرعيّة. غير أنّ المستشكل خلط بين أصل الغريزة وحدودها، فجعل مجرّد تعدّد الزوجات شاهداً على فرط الميل الجنسيّ، ودليلاً على الانقياد لداعي الشهوة، وهو استنتاجٌ لا ينهض عليه برهان، بل هو مصادرةٌ على المطلوب.

وإذا أمعنّا النظر في كلام المستشكل تبيّن أنّه أغفل الجهات الحقيقيّة الداعية إلى تعدّد الزوجات، وأطلق حكمه بمجرّد وقوع التعدّد، فجعل منه كبرى لشبهته من دون تحقيقٍ منصفٍ ولا استقراءٍ تامّ. ولو كان الأمر كما زعم من الانقياد لداعي الشهوة، لكان مقتضاه أن يظهر ذلك في أوائل العمر وأيام حداثة السنّ، حيث تكون الغريزة أشدّ اندفاعاً، لا في أواخره. على أنّ سيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تكذّب هذا الوهم، إذ ابتدأ حياته الزوجيّة وهو في الخامسة والعشرين بالاقتران بخديجة الكبرى (عليها السلام)، وهي يومئذٍ في سنّ الأربعين، فعاش معها مدّةً طويلةً مقتصراً عليها، لم يُعرف عنه خلالها تعدّدٌ ولا توسّع، مع أنّ المشركين كانوا يتتبّعون أحواله ويرصدون حركاته وسكناته، فلو وجدوا مطعناً من هذا القبيل لجعلوه مادّةً للتشهير والطعن، ولم يُنقل عنهم شيءٌ من ذلك، وهو أدلّ شاهدٍ على وهن هذه الدعوى.

فلا يبقى – بعد إبطال دعوى الانقياد لداعي الشهوة – إلّا حمل تعدّد الزوجات على وجوهٍ أُخر، راجعةٍ إلى مصالح تشريعيّةٍ واجتماعيّةٍ وسياسيّة، وهو ما تشهد له الوقائع وتؤيّده القرائن. ويمكن تنظيم ذلك على النحو الآتي:

أمّا الأسباب التشريعيّة نذكر منها:

أولا: ترسيخ سنّة التكفّل بالأرامل وإيوائهنّ، ليكون ذلك سلوكاً جارياً بين المؤمنين، صيانةً لهنّ من الضيعة والمسكنة، مثل زواجه بسودة وأم سلمة وحفصة وأم حبيبة وصفية وزينب بنت خزيمة اللآتي مات عنهن أزواجهن.

ثانيا: إبطال بعض الأعراف الجاهليّة، كتحريم نكاح زوجة المتبنّى، حيث كان يُنزَّل منزلة الابن الصلبي، فجاء الفعل النبويّ تطبيقاً عمليّاً لرفع هذا الحكم، كما في قصّة زواجه بزينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد بن حارثة، تصديقاً لقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا…} [الأحزاب:37].

وأمّا الأسباب الاجتماعيّة نذكر منها:

أولا: رعاية الأرامل والمحتاجات، إذ كان الغالب على زوجاته أنّهنّ من ذوات الحاجة أو ممّن فقدن المعيل، فكان في زواجه بهنّ كفالةٌ وصيانة مثل زواجه من سودة بنت زمعة بعد وفاة زوجها، وكانت امرأة كبيرة في السن.

ثانيا: جبر الخواطر ومكافأة بعض من كان له سابقةٌ أو بلاءٌ في الإسلام، بما يليق بمقامه (صلّى الله عليه وآله)، مثل زينب بنت خزيمة التي كانت تُلقب بـ”أم المساكين”.

ثالثا: السعي في تحرير الرقاب وإزالة آثار الاسترقاق، كما في بعض زيجاته التي انتهت إلى العتق ورفع القيد، مثل زواجه من مارية القبطية، وصفية بنت حيي، وكان زواجه منهن سببًا في تحريرهن.

وأمّا الأسباب السياسيّة نذكر منها:

أولا: توثيق العلائق بينه وبين القبائل المختلفة، بما يحقّق تأليف القلوب وتقوية الصفّ الإسلاميّ، كما في بعض الزيجات التي ترتّب عليها إسلام أقوامٍ أو تخفيف حدّة العداء، مثل زواجه من جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، بعد وقعة بني المصطلق وقد كان المسلمون أسروا منهم مائتي بيت بالنساء والذراري، فتزوج (صلى الله عليه وآله) بها، فقال المسلمون هؤلاء أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم وأعتقوهم جميعا، فأسلم بنو المصطلق بذلك، ولحقوا عن آخرهم بالمسلمين وكانوا جما غفيرا، وأثر ذلك أثرا حسنا في سائر العرب.

ثانيا: إزالة الأحقاد وبناء جسور التواصل مع الأطراف التي كانت في حال خصومة، بما يفتح باب الاندماج الاجتماعيّ والدينيّ، مثل زواجه من صفية بنت حيي، التي كانت ابنة زعيم يهود بني النضير. فقد قُتل زوجها في معركة خيبر، كما قُتل والدها مع بني القريظة. وكانت صفية في سبي خيبر، لكنه اختارها وأعتقها وتزوج بها، مما حماها من الذل وأعطى فرصة للتواصل مع بني إسرائيل.

وبالجملة: لو كان الدافع هو الشهوة المحضة، لكان مقتضى الطبع الاقتصار على مظانّها من حداثة السنّ والجمال، لا التنوّع في الأعمار والأحوال، ولا الإقدام في أواخر العمر، وهو ما يكشف بوضوحٍ عن سقوط تلك الدعوى من أساسها.

والحمد لله رب العالمين.

Scroll to Top