نص الشبهة:
إنَّ تمسُّكَ الرافضةِ بفقرة (لن يفترقا) لإثباتِ ضرورةِ الوجودِ العيني للإمام في كل عصرٍ تمسُّكٌ فاسد؛ إذ إنَّ الافتراقَ المنفيَّ في الحديث هو “الافتراقُ الحُكميُّ” في مقام الحجيّة والاعتصام، لا “الافتراقُ الوجوديُّ” في مقام التشخُّصِ والأجسام.
الإجابة:
بسم الله الرحمن الرحيم
أن حديث الثقلين المتواتر ورد بصِيَغٍ متعدِّدةٍ، وأشهرُها: «إنِّي تاركٌ – أو مُخلِّفٌ – فيكمُ الثَّقلين أو الخليفتين – ما إن تمسَّكتم – أو اعتصمتم بهما لن تضلُّوا كتابَ اللهِ وعترتي أهلَ بيتي، – لن يفترقا – أو يتفرَّقا -حتَّى يردا عليَّ الحوضَ»، وحيث إنَّ لكل صيغةٍ من هذه الصيغ ميزةً دلاليةً ترفدُ المتن بخصوصيةٍ معينة، تجدر الإشارة إلى ما يقتضيه الفنُّ اللغوي في التمييز بين فقرتي «لَنْ يَفْتَرِقَا» و«لَنْ يَتَفَرَّقَا»؛ فقد نُقل عن ثعلب ـ حكايةً عن ابن الأعرابي عن المفضل ـ التفرقةُ بينهما بكون الافتراق مختصاً بالقول والكلام، والتفرق بالأجسام؛ وهو ما يُعزز شمولية مِلاك عدم البينونة بين الكتاب والعترة في سائر النشآت والمراتب، قولاً وفعلاً ووجوداً.
قد سئُلَ ثعلباً عن الفرق بين (يتفرّقان) و (يفترقان)؟ فقال: أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضّل قال: يقال: (افترقا) بالكلام و(تفرَّقا) بالأجسام [1].
فعلى المعنى الأول «لَنْ يَفْتَرِقَا» أنّ الافتراق المنفي بين العترة والقرآن هو الإفتراق في جميع أقوال العترة وأفعالها- لا تفترق عن القرآن، فلا يصدر عنها إلّا ما يوافق كتاب الله تعالى، ولأنّ القرآن كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالعترة تكون كذلك، فيلزم منه الدلالة على العصمة؛ لأنّ من لازم القرآن ولازمه القرآن لا يأتي معصية؛ إذْ لو أتاها لفارقه القرآن، كما يشهد متن الحديث بأنّه لا فراق بينهما؛ فإنّه لا يلازم إلّا من عَرف معانيه، وقد ثبت أنّ ابن عبّاس أكثر الصحابة علماً بالتأويل وقد قال: ما أخذتُ في تفسيره – أي القرآن – فعن عليّ، ويشهد له ما أخرجه الدارقطنيّ أنّ عمر سأل عليّاً عن مسألة فأجاب، فقال: «أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن». ونظائر هذا كثيرة جداً [2].
وأمّا على المعنى الثاني (لَنْ يَتَفَرَّقَا)، فإنّ المفارقة المنفية بين العترة والقرآن من حيث الوجود الخارجيّ، وهذا معناه أنّه لا بدّ من وجود إمام من العترة لا يفترق عن القرآن ولا يفترق القرآن عنه في كلّ زمان وفيه الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارةً إلى عدم انقطاع متأهّلٍ منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض [3].
وبعد تحرير الفارق اللغوي بين اللفظين، يترتب عليه الاستدلال على لزوم استمرار الحجة الفعليّة؛ إذ بمقتضى قاعدة «الاضطرار إلى الحجة» المقررة عقلاً ونقلاً، لا تخلو الأرض من حجةٍ لله (عز وجل) من العترة الطاهرة، يكون عِدلاً وملازماً للكتاب العزيز في سائر الأزمنة والأمكنة إلى قيام الساعة.
ومن هنا، يُعدُّ حديث الثقلين من أقوى الأدلة الروائية التي يستند إليها متكلمو الإمامية في إثبات استمرار الإمامة ووجود الحجة في كل عصر ويترتب عليه:
أولا: ملازمة البقاء لعدم الفناء (دلالة التلازم الوجودي)
إن مقتضى التعبير بـ (لَنْ يَتَفَرَّقَا) الذي يفيد التأبيد ونفي الانفكاك ذاتا بين الثقلين؛ وبما أن القرآن الكريم باقٍ وباقٍ بإعجازه وحفظه إلى قيام الساعة، فلا بد من وجود العِدل والترجمان الملازم له فعلياً في كل عصر، وإلا لزم خلف الفرض ووقوع الافتراق الممتنع بنص النبوي الشريف.
ثانيا: ملازمة الحجية والإيضاح (دلالة الغرض)
إن مقتضى التعبير بـ (لَنْ يَفْتَرِقَا) الذي يفيد التأبيد ونفي الانفكاك حكما بين الثقلين؛ وبما أن القرآن الكريم صامت والحجة ناطق، فإن الغرض من بقاء الكتاب لا يتم إلا بمفسّرٍ معصوم يطابقه وجوداً وحجية؛ فاستمرار بقاء القرآن مرجعاً للأمة يستلزم عقلاً ونقلاً وجود حجة إلهية، صوناً للغرض من الضياع.
ثالثا: ملازمة الورود على الحوض (دلالة الغاية)
جعل النبي (صلى الله عليه وآله) غاية الاتصال هي الحوض، وهو منتهى الوجود الدنيوي وبداية الوجود الأخروي؛ فكل زمان يخلو من وجود إمام معصوم من العترة يعني وقوع المفارقة قبل الغاية المحددة، وهو باطل؛ فيثبت بالضرورة وجود الحجة من العترة باعتباره المصداق الحي والوحيد لهذا التلازم في هذا العصر.
والحمد لله رب العالمين




