نص الشبهة:
يفسر بعض معممي الرافضة النص الوارد في كتاب الكافي للكليني «إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهر البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام ..» [الكافي ج2 ص375] المباهتة بالكذب والافتراء على المخالف السني.
والسؤال هنا: إذا كان المعنى اللغوي لـ ‘المباهتة’ هو قذف المخالف بما ليس فيه، ألا يجعل هذا النص من ‘الغاية تبرر الوسيلة’ أصلاً أصيلاً، مما يفتح الباب لتسويغ الكذب وتشويه السمعة كأدوات شرعية في الصراع الفكري؟
الإجابة:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنّ هذا الاستظهار غير تامّ؛ فإنّ حمل لفظ «باهتوهم» في الرواية على معنى الكذب والافتراء لا ينسجم مع أصل الوضع اللغوي للمادّة، ولا مع القرائن السياقية الحافّة بالرواية، ولا مع مجموع النصوص الشرعية الدالّة على حرمة الكذب والافتراء. بل الظاهر أنّ المراد هو إقامة الحجج والبراهين على أهل البدع، وإلزامهم بما يقطع ألسنتهم ويُبطل شبهاتهم، حتى يَبهتوا ويتحيّروا وتنقطع قدرتهم على المعارضة.
ويمكن تحقيق ذلك ضمن الجهات الآتية:
الجهة الأولى: في أصل معنى مادّة «بَهَتَ»:
إنّ مادة «بَهَتَ» في أصل وضعها اللغوي، تدور حول معنى التحيّر والدهشة وانقطاع الحجة (1)، ثم استُعملت في موارد أخرى لمناسباتٍ وقرائنَ مختلفة. ومن شواهد استعمالها في معناها الأصلي قوله سبحانه: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258]. فالمقصود أنّ الذي كفر انقطع وتحير ودهش، ولم يجد جواباً يدفع به الحجة التي أقامها إبراهيم (عليه السلام) عليه، ولا سيّما بعد انتقال إبراهيم (عليه السلام) إلى الحجة القاصمة، فقال له: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}. وكذلك قوله سبحانه: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} [الأنبياء: 40]، أي تفجؤهم بغتةً فتُحيّرهم وتُدهشهم، فلا يملكون تجاهها جواباً.
وعليه، فالأصل في مادة «البهت» هو ما يرجع إلى الحيرة والدهشة وانقطاع الخصم، لا خصوص الافتراء والكذب.
الجهة الثانية: في منشأ استعمال «البهتان» في الافتراء:
وأمّا استعمال «البهتان» في الكذب والافتراء، فهو استعمالٌ نشأ من جهة ما يلازم الافتراء من إيقاع المقول فيه في الحيرة والدهشة، ثم غلب استعمال اللفظ في خصوص الافتراء والقذف بما لا حقيقة له.
ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم إذا استعمل لفظ «البهتان» في مورد الافتراء، قرنه بما يعيّن المراد ويكشف عن خصوصية هذا الاستعمال، كما في قوله سبحانه: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ} [الممتحنة: 12].
فعبارة «يَفْتَرِينَهُ» قرينة واضحة على إرادة الافتراء من «البهتان» في هذا المورد.
وعلى هذا، لا يصحّ الانتقال من أحد استعمالات المادة إلى الآخر بلا قرينة، فإنّ المناط في تعيين المراد من اللفظ هو ملاحظة الوضع اللغوي والقرائن المقامية والسياقية، لا مجرّد إمكان الاستعمال في معنى آخر.
ومن هنا يتضح أنّ قوله (صلى الله عليه وآله): «وباهتوهم» لا يتعيّن حمله على معنى الافتراء، بل الظاهر حمله على معناه الموافق لأصل المادة، وهو إلزام الخصم بالحجة حتى ينقطع ويتحيّر ولا يجد سبيلاً إلى دفع الحق.
الجهة الثالثة: القرينة السياقية في نفس الرواية:
لو كان المراد من «باهتوهم» هو الكذب عليهم وقذفهم بما ليس فيهم، لكان ذلك بحاجة إلى قرينة صريحة تدل على العدول عن المعنى الأصلي إلى هذا المعنى.
والحال أنّ سياق الرواية لا يساعد على ذلك، بل هو أقرب إلى خلافه؛ فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: «فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلّموا من بدعهم». فالغرض المصرّح به في الرواية هو منع أهل البدع من التمكّن من إفساد عقائد الناس، وتحذير الناس من بدعهم، والحيلولة دون تأثرهم بشبهاتهم.
وهذا الغرض إنما يتحقق على نحوٍ منضبطٍ ومشروعٍ بإقامة الحجة وكشف البطلان وإسقاط الشبهة، لا باختلاق الأكاذيب ونسبة ما لم يصدر عن الخصم إليه؛ إذ إنّ الكذب والافتراء لا يحوّلان الباطل إلى حق، ولا يجعلان الحجة أقوى، بل قد يفضيان إلى نتيجة معاكسة، وذلك بإسقاط ثقة الناس بالمتصدّي للدفاع عن الحق.
وعليه، يكون معنى «باهتوهم»: حاجّوهم وألزموهم بالحجة حتى ينقطعوا وتظهر عجزهم عن دفع الحق.
الجهة الرابعة: منافاة حمل الرواية على الافتراء للأصول القطعية في الشريعة:
إنّ حمل «باهتوهم» على الكذب والافتراء يستلزم تخصيصاً شديداً لمجموعة واسعة من النصوص الشرعية التي تقرّر حرمة الكذب والبهتان والظلم، من دون وجود قرينة معتبرة تقتضي هذا التخصيص.
وقد قرّر القرآن الكريم أصلاً عاماً في لزوم العدل وعدم مجاوزة الحق حتى مع الخصومة والعداوة، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. فالآية تؤسس لمبدأ بالغ الأهمية، وهو أنّ العداوة للخصم لا ترفع موضوع العدل، ولا تبيح مجاوزة حدود الصدق والواقع. بل ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يؤكد حرمة الافتراء حتى في حق غير المسلم.
فقد روى الشيخ الكليني بالإسناد إلى الحلبي، عن الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: «أنّه نهى عن قذف من كان على غير الإسلام إلا أن يكون قد اطلعت على ذلك منه» (2).
وروى أيضاً بالإسناد إلى عبد الله بن سنان، عن الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام): «أنّه نهى عن قذف من ليس على الإسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم، وقال: أيسر ما يكون أن يكون قد كذب» (3).
وروى كذلك بالإسناد إلى إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الافتراء على أهل الذمة وأهل الكتاب: هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ فقال (عليه السلام): «لا، ولكن يعزّر» (4).
وهذه النصوص تكشف بوضوح أنّ الاختلاف العقدي لا يبيح اختلاق التهم، ولا يرفع حرمة الافتراء، ولا يجعل الكذب وسيلة مشروعة في مواجهة المخالف. ومن ثمّ، فلو حملنا «باهتوهم» على الافتراء لزم التعارض بين هذه الرواية وبين هذه الأصول والنصوص، مع أنّ الجمع العرفي يقتضي حمل الرواية على معنى لا يستلزم مخالفة تلك القواعد، وهو معنى إلزام الخصم بالحجة وإسكاته بها.
الجهة الخامسة: شهادة شُرّاح الحديث على هذا المعنى:
ويؤيد هذا الفهم ما ذكره جملة من أعلام الإمامية في شرح الرواية، حيث فهموا «المباهتة» بمعنى الإلزام بالحجة وإيقاع الخصم في الحيرة والانقطاع، لا بمعنى اختلاق الأكاذيب عليه.
1ـ قال المولى المجلسي (قدس سره): «والظاهر أن المراد بالمباهتة إلزامهم بالحجج القاطعة، وجعلهم متحيرين لا يحيرون جواباً، كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾» (5).
2ـ وقال المولى المازندراني (قدس سره): «والبهت التحير والدهش، ولعل المراد به إلزامهم بالحجج البالغة لينقطعوا ويبهتوا، كما بهت الذي كفر في محاجة إبراهيم (عليه السلام)» (6).
3ـ وقال الفيض الكاشاني (قدس سره) في تفسيره للرواية: «باهتوهم» أي «جادلوهم وأسكتوهم واقطعوا الكلام عليهم» (7).
وهذا يؤكد أنّ تفسير «باهتوهم» بالمغالطة والكذب والافتراء ليس هو الفهم الوحيد للمادة، بل إنّ جملة من أعلام الشرح حملوه على المحاجّة بالحجة القاطعة وإسكات الخصم وإظهار عجزه عن دفع الحق.
النتيجة:
يتحصّل من مجموع ما تقدّم أنّ حمل قوله (صلى الله عليه وآله): «وباهتوهم» على معنى الكذب والافتراء واختلاق التهم على المخالف لا ينهض عليه دليلٌ معتبر، بل الظاهر خلافه.
فمادة «بهت» في أصل وضعها اللغوي تدل على التحيّر والدهشة والانقطاع، كما في قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، وسياق الرواية ينسجم مع هذا المعنى، كما أنّ النصوص القرآنية والروائية تؤكد حرمة الافتراء والقذف والظلم، حتى في حق غير المسلم، وقد صرّح جملة من أعلام الإمامية بأنّ المراد بالمباهتة هو إلزام أهل البدع بالحجج القاطعة، وإسكاتهم بها، وإظهار عجزهم عن دفع الحق.
وعليه، فالمقصود من «مباهتة أهل البدع» ليس اختلاق الأكاذيب عليهم، وإنما محاجّتهم بالحجة، ونقض شبهاتهم، وإلزامهم بما يوجب انقطاعهم وظهور بطلان مقالتهم؛ ليحذرهم الناس ولا يطمعوا في إفساد عقائد المسلمين.
وبذلك لا تكون الرواية مستنداً لقاعدة «الغاية تبرر الوسيلة»، ولا دليلاً على إباحة الكذب وتشويه السمعة في الصراع الفكري، بل هي ـ على هذا الفهم ـ تأكيدٌ لمشروعية المواجهة العلمية والفكرية لأهل البدع بالحجة والبرهان، مع بقاء حدود الصدق والعدل محفوظةً وعدم تجاوزها.




