نص الشبهة:
يُثار في بعض الكتابات والمنتديات إشكالٌ مفاده أنّ في بعض المصادر الإمامية روايةً تجعل «البعوضة» الواردة في قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] كنايةً عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنّ في ذلك انتقاصاً من مقامه الشريف، إذ كيف يُشبَّه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبعوضة؟
الإجابة:
بسم الله الرحمن الرحيم
وهذه الشبهة ناشئة من الخلط بين التشبيه والإهانة من جهة، وبين التمثيل وبيان النسبة من جهة أخرى، فضلاً عن عدم التثبت من سند الخبر، وعدم تحرير سياقه ومراده. وعليه، فالبحث في هذه الرواية ينبغي أن يقع في جهتين:
أحدهما: البحث السندي:
ورد الخبر في التفسير المنسوب إلى علي بن إبراهيم القمي، في تفسير قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (1)، وفي سنده: «القاسم بن سليمان» و«المعلّى بن خنيس».
أما القاسم بن سليمان، فلم تثبت وثاقته، بل عُدَّ من المجاهيل في كلمات جملة من أعلام الرجال، ومنهم المحقق الأردبيلي (2)، والشيخ البهائي (3).
وأما المعلّى بن خنيس، فقد وقع الكلام في وثاقته، وقد ضعّفه النجاشي (4)، وابن الغضائري (5)، فلا يصح بناء حكمٍ عقدي أو تفسيرٍ قطعي على هذا الطريق من دون ضميمةٍ تثبت اعتباره.
وعليه، فالرواية ـ بهذا الطريق ـ غير تامة السند بحسب الموازين الرجالية، ولا يصح أن تُنسب إلى مذهب الإمامية بوصفها دليلاً معتمداً أو عقيدةً ثابتة لمجرد ورودها في كتابٍ من كتب التفسير.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أصلٍ منهجي مهم، وهو أنّ وجود الرواية في مصدرٍ روائي لا يساوق الحكم بصحتها؛ فإنّ المنهج الإمامي في التعامل مع الأخبار قائم على نقد الأسانيد والمتون، وتمييز الصحيح من الضعيف، ولا سيما في الموارد التي يراد إثبات أصلٍ عقدي أو معنىً يترتب عليه حكم مهم.
والآخر: البحث الدلالي:
على فرض التنزل عن المناقشة السندية، فإنّ مضمون الرواية لا يدل على الطعن في أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا يتضمن وصفه بالبعوضة على نحو الإهانة أو الحط من مقامه، بل إنّ حمله على ذلك ناشئ من قراءة اللفظ مجرداً عن سياقه. ويمكن بيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الرواية ناظرة إلى بيان عظمة الله سبحانه لا إلى الانتقاص من مقام أمير المؤمنين
إنّ سياق الرواية ـ على فرض ثبوتها ـ قائم على بيان التفاوت بين الخالق والمخلوق، وأنّ جميع الموجودات، مهما علت منزلتها وشرفت رتبتها، فهي بالنسبة إلى قدرة الله سبحانه ومطلق ملكه مخلوقةٌ مقهورة، لا تستقل عنه بشيء.
وهذا المعنى لا يختص بأمير المؤمنين (عليه السلام)، بل هو أصل قرآني وعقدي قطعي؛ فالأنبياء والأوصياء وسائر عباد الله، مع علو مقامهم وشرف منزلتهم، عبيدٌ لله سبحانه، لا يخرجون عن سلطان قدرته ومشيئته.
ويؤيد هذا المعنى ما ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)، من أنّ بعض الناس حملوا رواية «البعوضة» على غير وجهها، فبيّن الإمام الباقر (عليه السلام) أن المراد ليس تشبيه النبي (صلى الله عليه وآله) أو أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبعوضة والذباب من حيث الذات أو المنزلة، وإنما ورد الكلام في بيان عظمة مشيئة الله تعالى وقهرها، وأنّ المخلوق ـ مهما بلغ من الفضل ـ لا يساوي الخالق ولا يقاربه في شيء (6).
وفي الرواية المذكورة: «وما محمد رسول الله في دين الله وفي قدرته إلا كذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة، وما عليٌّ (عليه السلام) في دين الله وفي قدرته إلا كبعوضة في جملة هذه الممالك»، ثم صرّحت الرواية نفسها بعظيم فضل الله سبحانه على محمد وعلي (عليهما السلام). وعليه، فإنّ تشبيه الشيء بالبعوضة في هذا السياق ليس تشبيهاً لمقام النبي وأمير المؤمنين (عليهما السلام) بالبعوضة من حيث الفضيلة والشرف، وإنما هو بيان لصِغَر المخلوق ـ مهما عظم شأنه ـ بالإضافة إلى سعة ملك الله سبحانه وعظيم قدرته. فالقياس هنا بين المخلوق والخالق من جهة الافتقار والقهر والسلطان الإلهي، لا بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين البعوضة من جهة الشرف والمنزلة.
الوجه الثاني: الرواية تتضمن تمثيلاً لا وصفاً ذاتياً:
حتى لو سُلِّم بلفظ الرواية كما نُقل، فلا يصح حمل قولها: «البعوضة أمير المؤمنين» على أنّ المراد أنّ حقيقة أمير المؤمنين (عليه السلام) هي البعوضة، أو أنّ الرواية بصدد وصف شخصه الشريف بهذا الوصف.
فهذا النوع من العبارات يجري في لسان العرب على سبيل التمثيل والاختصار والحذف، ولا يصح اقتطاع التركيب من سياقه ثم تحميله معنىً لم يرده المتكلم. والتقدير ـ على هذا الاحتمال ـ: أنّ البعوضة مَثَلٌ لأمير المؤمنين (عليه السلام)، أو أنّ المثل المضروب بالبعوضة واقعٌ في شأنه، لا أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو نفس البعوضة حقيقةً.
وقد نبه علماء العربية إلى وقوع الحذف والإضمار في مثل هذه التراكيب، ومن ذلك ما حكاه سيبويه (7) من أساليب العرب في حذف حرف الجر وإيصال الفعل إلى الاسم، وهو من الأساليب المعروفة في كلامهم.
وبناءً عليه، لا يصح جعل التركيب المجمل دليلاً على إرادة الوصف الحسي أو التنقيص؛ لأنّ المعنى يتعين بالسياق والقرائن، لا بمجرد ظاهر تركيب مبتور عن مقامه.
الوجه الثالث: لو أريد به التشبيه الحرفي للزم منه معنى لا ينسجم مع سياق الرواية نفسها:
إنّ حمل الرواية على أنّها تريد الانتقاص من أمير المؤمنين (عليه السلام) يوقع في تناقض مع نفس سياقها؛ فإنّ الرواية ـ كما تقدّم ـ تصرح بعظيم فضل الله سبحانه على النبي وأمير المؤمنين (عليهما السلام)، ولا تجعل المقصود الحط من شأنهما. بل إنّ الغرض هو بيان أنّ كمال العبودية لا ينافي علو المنزلة؛ فكلما ارتفع مقام العبد في القرب من الله سبحانه بقي عبداً له، لا شريكاً في ملكه ولا نظيراً له في قدرته. وهذا من أصول التوحيد التي أكّدها القرآن الكريم في مواضع متعددة، ومن ذلك قوله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110]، وقوله سبحانه: {وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [الفرقان: 3]. فإثبات العبودية والافتقار إلى الله سبحانه ليس طعناً في مقام أوليائه، بل هو عين التوحيد الذي يقرر أنّ كمال العبد في عبوديته لله، لا في استقلاله عنه.
ومن المهم التفريق بين قضيتين مختلفتين:
الأولى: أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) مشبهاً بالبعوضة من حيث الذات أو المنزلة، وهذا لا يثبت من الرواية ولا يقتضيه سياقها.
والثانية: أن يضرب بالبعوضة مثلٌ لبيان نسبة المخلوق إلى عظمة الله سبحانه وسعة ملكه، وهذا معنى آخر لا يتضمن أي تنقيص لمقام أمير المؤمنين (عليه السلام).
وعليه، فإنّ الإشكال إنما نشأ من تحويل التمثيل المقامي إلى وصف ذاتي، ثم بناء شبهة التنقيص عليه، مع أنّ هذين الأمرين مختلفان موضوعاً ودلالةً.
يتضح مما تقدم أنّ رواية «البعوضة» لا تصلح مستنداً للطعن في مقام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذلك من جهتين:
الجهة الأولى: من جهة السند، فإنّ الطريق المذكور لا يخلو من الإشكال الرجالي، لوجود القاسم بن سليمان والمعلّى بن خنيس، فلا تثبت الرواية بهذا الطريق وفق مباني التحقيق الرجالي.
الجهة الثانية: على فرض التنزل عن ضعف السند، فإنّ دلالتها لا تنهض لإثبات التنقيص؛ لأنّ سياقها ـ بحسب الرواية المفسرة لها ـ ناظر إلى بيان عظمة الله سبحانه، وأنّ جميع الموجودات، وإن علت مراتبها، مخلوقةٌ له ومقهورةٌ بقدرته، وأنّ ذكر البعوضة إنما هو من باب التمثيل والقياس إلى سعة ملك الله سبحانه، لا من باب وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبعوضة أو الحط من مقامه. ومن ثمّ، فإنّ جعل هذه الرواية طعناً في مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) مبنيّ على أمرين غير ثابتين: صحة سند الخبر، وحمل لفظه على الوصف الذاتي والإهانة، وكلاهما لا يثبت بمجرد نقل الرواية في مصدر تفسيري.
والحاصل: أنّ الرواية ـ سنداً ـ غير ثابتة، ودلالةً ـ على فرض ثبوتها ـ لا تنهض لإثبات التنقيص من أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل غاية ما فيها بيان نسبة المخلوق إلى الخالق سبحانه، وبيان عظمة القدرة الإلهية التي لا يقاس بها شيء من خلقه، مع بقاء ما ثبت لأمير المؤمنين (عليه السلام) من علو المنزلة والفضل والكرامة على حاله.
والحمد لله رب العالمين.




