الدلائل العقلية على عصمة الأئمة

بقلم: السيد أبي الحسن عليّ الموسوي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تُعدّ مسألة عصمة الإمام من أهمّ المباحث الكلامية التي امتازت بها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، بل هي من الركائز الأساسية في مسألة الإمامة؛ إذ إنّ الإمامة ـ بحسب المنظور الإمامي ـ ليست منصبًا سياسيًا أو رئاسةً اجتماعيةً فحسب، وإنما هي منصبٌ إلهيٌّ يهدف إلى حفظ الشريعة، وصيانة الدين، وبيان الأحكام، وهداية الأمة بعد انقطاع الوحي بخاتم الأنبياء وفخر المرسلين النبي محمد بن عبد الله الهاشمي (صلى الله عليه وآله).

ومن هنا لم تكن العصمة وصفًا كماليًا زائدًا على حقيقة الإمامة، بل هي من لوازمها الذاتية؛ لأنّ كلّ غايةٍ أُنيطت بالإمام لا يمكن أن تتحقق مع تجويز الخطأ أو السهو أو المعصية عليه، وإلا لزم نقض الغرض من نصبه، وهو محالٌ على الله تعالى؛ لاستلزامه نسبة العبث إلى الحكيم المطلق.

ولهذا أفاض متكلّمو الإمامية «أعلى الله برهانهم» (1)، تبعا لأئمتهم (عليهم السلام) (2) في إقامة البراهين العقلية والنقلية على عصمة الإمام، واعتبروها شرطًا أساسيًا في الإمامة، حتى عدّها الشريف المرتضى (قدس سره) في رسائله من أعظم الأصول الدالة على الإمامة، وصرّح بأنّ إثباتها يغني عن كثيرٍ من سائر البراهين؛ لأنّ من ثبتت عصمته ثبتت إمامته (3).

وقد صنّف العلماء في هذا الباب مؤلفات مستقلة، ومن أبرزها كتاب «الألفين» للعلامة الحلي، وكتاب «عمدة النظر في بيان عصمة الأئمة الاثني عشر» للسيد هاشم البحراني، فضلًا عما بثّوه في كتب الكلام والعقائد من براهين دقيقة ومتينة.

وسنقتصر في هذه المقالة على أبرز الأدلة العقلية، مع تقريرها وفق المنهج الكلامي.

الدليل الأول: برهان اللطف:

وتقريره: اتفق علماء الإمامية «أعلى الله برهانهم» على أنّ نصب الإمام لطفٌ من الله سبحانه؛ لأنّه أقرب إلى امتثال المكلفين، وأبعد لهم عن الوقوع في المعصية. غير أنّ هذا اللطف لا يتحقق إلا إذا كان الإمام معصومًا؛ لأنّ الإمام إذا جاز عليه الذنب أو الخطأ، لم يحصل الوثوق بأوامره ونواهيه، بل ربما صار سببًا لانحراف الأمة، فيتحول اللطف إلى خلافه.

وعليه، فإنّ الحكمة الإلهية تقتضي أن يكون الإمام معصومًا، لأنّ الله تعالى لا يخلّ بما هو لطفٌ بعباده.

وهذا البرهان هو الأصل الذي ترجع إليه أكثر أدلة العصمة، حتى إنّ سائر البراهين ليست في حقيقتها إلا تطبيقاتٍ مختلفةً لقاعدة اللطف، لذا قال الشيخ المفيد (قدس سره): «العصمة لطف يفعله الله بالمكلف بحيث يمنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما فلو عهد منه السهو والنسيان لارتفع الوثوق منه عند اخباراته ولو عهد منه خطيئة لتنفرت العقول من متابعته فتبطل فائدة البعثة» (4).

الدليل الثاني: برهان حفظ الشريعة:

وتقريره: الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، وقد انقطع الوحي برحيل فخر الأنبياء النبي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يحيط القرآن الكريم ولا النصوص المدونة بجميع الوقائع الجزئية. فلا بدّ من إمام معصومٍ يحفظ الدين من التحريف، ويبين الأحكام عند الاختلاف. ولو جاز عليه الخطأ، لاحتمل أن يزيد في الدين أو ينقص منه، فيرتفع الوثوق بالشريعة، وينتقض الغرض من حفظها.

وممّا يعضد هذا الدليل ما قَرَّره العلامة الحليّ (قدس سره) بقوله: «أن الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوما، أما المقدمة الأولى فلأن الحافظ للشرع ليس هو الكتاب لعدم إحاطته بجميع الأحكام التفصيلية ولا السنة لذلك أيضا ولا إجماع الأمة، لأن كل واحد منهم على تقدير عدم المعصوم فيهم يجوز عليه الخطأ فالمجموع كذلك، ولأن إجماعهم ليس لدلالة وإلا لاشتهرت ولا لأمارة إذ يمتنع اتفاق الناس في سائر البقاع على الأمارة الواحدة، كما نعلم بالضرورة عدم اتفاقهم على أكل طعام معين في وقت واحد، أو لا لهما فيكون باطلا، ولا القياس لبطلان القول به على ما ظهر في أصول الفقه وعلى تقدير تسليمه فليس بحافظ للشرع بالاجماع، ولا البراءة الأصلية لأنه لو وجب المصير إليها لما وجب بعثة الأنبياء وللاجماع على عدم حفظها للشرع فلم يبق إلا الإمام فلو جاز الخطأ عليه لم يبق وثوق بما تعبدنا الله تعالى به وما كلفناه، وذلك مناقض للغرض من التكليف وهو الانقياد إلى مراد الله تعالى» (5).

الدليل الثالث: برهان نقض الغرض:

وتقريره: إنّ الغاية من نصب الإمام هي هداية الأمة، وإقامة الدين، وحفظ الأحكام، ولو جاز عليه الخطأ أو الذنب، لبطلت هذه الغاية؛ لأنّ الناس لا يأمنون من اتباع الباطل، ولا يحصل لهم الوثوق بأقوال الإمام وأفعاله، ونقض الغرض على الحكيم محال؛ لأنّ فعل الحكيم منزّه عن العبث، فثبت أنّ الإمام يجب أن يكون معصومًا.

ويُعدّ هذا البرهان من أقوى البراهين العقلية، وهو في الحقيقة الجامع لسائر الأدلة.

وممّا يعضد هذا الدليل ما قَرَّره العلامة الحليّ (قدس سره) بقوله: «أحد الأمرين لازم وهو إما كونه معصوما أو نقض الغرض والثاني على الله تعالى محال فتعين الأول، أما الملازمة وهي في الحقيقة مانعة خلو فلأن الله تعالى أمرنا بسؤال الهداية إلى طريقة المعصوم وهي الطريقة المذكورة فيكون قد أراد أن نرتكب تلك الطريقة ثم أمرنا بطاعة الإمام واتباعه فأما أن يكون الإمام على تلك الطريقة أولا والثاني يستلزم الثاني وهو نقض الغرض والأول يستلزم الأول فثبت الملازمة وأما بطلان الثاني فلأنه تعالى حكيم ونقض الغرض ينافي الحكمة» (6).

الدليل الرابع: برهان الطاعة المطلقة:

وتقريره: أوجب الله سبحانه طاعة أولي الأمر طاعةً مطلقة، والطاعة المطلقة لا يعقل تعلّقها بمن يجوز عليه الخطأ.

إذ لو أخطأ الإمام، لزم أحد أمرين:

أحدهما: إمّا وجوب اتباعه في الخطأ، وهو محال.

والآخر: أو عدم وجوب طاعته مطلقًا، فيبطل إطلاق الأمر بالطاعة.

وكلاهما باطل. فلا بدّ أن يكون الإمام معصومًا.

وممّا يعضد هذا الدليل ما قَرَّره الفخر الرازي في تفسيره؛ حيث رام إثبات الملازمة بين الأمر المتوجّه من الشارع الأقدس بطاعة أُولي الأمر في الآية المباركة بنحو مطلق، وهو يستلزم العصمة، فأفاد: «أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، فوجب أن يكون معصوماً» (7).

الدليل الخامس: برهان الامتداد الوظيفي للنبوة:

وتقريره: الإمام ليس نبيًا، ولكنه يقوم بجميع وظائف النبي بعد ختم النبوة، سوى تلقي الوحي التشريعي. ولما كانت تلك الوظائف لا تؤدى إلا بالعصمة، وجب أن يكون الإمام معصومًا أيضًا.

وممّا يعضد هذا الدليل ما قَرَّره الشيخ المفيد (قدس سره) بقوله: «إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء، وإنهم لا يجوز منهم صغيرة، وإنه لا يجوز منهم سهو في شئ في الدين ولا ينسون شيئا من الأحكام» (8).

الدليل السادس برهان التسلسل:

وتقريره: إن العِلّة الموجبة لِنَصْبِ الإمام واللّطف بالعباد هي تجويز الخطأ على الرعيّة وحاجتهم إلى مُسدّد. فلو جاز على الإمام الخطأ والزّلل أيضاً، لَشارَكَ الرعيّة في عِلّة الحاجة، ولاحتاج إلى إمامٍ آخر يُقوّمه ويُصحّح له؛ والكلام في الإمام الثاني كالأول، فإن جاز عليه الخطأ احتاج إلى ثالث، ويتسلسل الأمر إلى مالا نهاية، والتسلسل باطلٌ بالضرورة لامتناع وجود مالا يتناهى من الفواعل والمؤثرات. وإذا بطل التّالي وهو التسلسل، تعيّن ثبوت المقدّم وهو الانتهاء إلى إمامٍ لا يجوز عليه الخطأ والنسيان لتقطع به الحُجّة، وهو المطلوب.

وممّا يعضد هذا الدليل ما قَرَّره العلامة الحِلّي (قدس سره) بقوله: «إن المقتضى لوجوب نصب الإمام هو تجويز الخطأ على الرعية فلو كان هذا المقتضى ثابتا في حق الإمام وجب أن يكون له إمام آخر ويتسلسل أو ينتهي إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ فيكون هو الإمام الأصلي» (9).

الدليل السابع: برهان إقامة العدل واستقامة النظام:

وتقريره: أنَّ الإمام هو المرجع في إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وحفظ الحقوق، ولو جاز عليه الجور أو الميل عن الحق، لفسدت العدالة، وتعطلت الحدود، وضاعت الحقوق.

وبناءً على هذه المنزلة، لو جاز في حقه الجور، أو صُور الانحراف عن جادة الحق والعدالة، لأفضى ذلك إلى تقويض أركان العدالة المشروعة، وتعطيل الحدود والزواجر الإلهية، وضياع الحقوق والمصالح العامة.

وحيث إن القول بتفويض زمام الدماء، والأعراض، والأموال، إلى من يَحتمل في حقه الظلم والخطأ يُعدّ نقضاً للغرض التشريعي وهو محال على الحكيم سبحانه، ثبت بالدليل العقلي وجوب عصمته صيانةً للأمة من الفساد العام.

وممّا يعضد هذا الدليل ما قَرَّره العلامة الحِلّي (قدس سره) بقوله: «إن الإمام مقيم للحدود والأحكام العامة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوطة بقوله وأمره ولا يجوز مخالفته فيها وكل من كان كذلك فهو يجب أن يكون معصوما، أما الصغرى فإجماعية ولاستحالة جعلها مفوضة بغير الرئيس العام أما الثانية فلأنها أمور كلية يتعلق بها الدماء وإراقتها وانتظام الدعوى والكل مبني على الاحتياط التام لا يجوز أن يجعل إلى غير المعصوم فإنه قد شوهد خبط غير المعصوم فيها وإجراؤها منه على غير سنن الشرع ثم المكلف الذي يبذل نفسه للجهاد والقتل إن لم يتيقن الثواب في فعله حصل له خوف فلا يجوز له الإقدام فيبطل ذلك كله ولأن نظام النوع على الوجه الأليق وعلى سنن الشرع لا يحصل من غير المعصوم غالبا بل حصوله من غير المعصوم محال فيجب أن يكون الإمام معصوما وهو المطلوب» (10).

الدليل الثامن: برهان الوثوق:

وتقريره: إنّ المرجعية الدينية لا تتحقق إلا بالوثوق التام. ولو جاز على الإمام الكذب أو السهو أو الغفلة، لسقط الاعتماد على أقواله، ولما أمكن للمكلّف الجزم بأنّه يؤدي حكم الله تعالى. ومع سقوط الوثوق تنتفي فائدة الإمامة، وهو عين نقض الغرض. فثبت وجوب العصمة.

إن الغرض الأسمى من نصب الإمام هو انقياد المكلّفين لأوامره ونواهيه باعتباره المرجعية الهادية للأحكام الإلهية. فلو جاز على الإمام الكذب، أو السهو، أو الغفلة، لارتفع الوثوق بأفعاله وأقواله، ولانتفى الاعتماد على تشريعه، ولما أمكن للمكلّف إحراز براءة الذمّة والجزم بامتثال التكليف الواقعي، وحيث إن سقوط الوثوق يُفضي بالضرورة إلى انتفاء الفائدة المرجوّة من منصب الإمامة، لكان نصبُه والمسألة هذه عبثاً ونقضاً للغرض، وهو محالٌ على الحكيم تعالى.

وإذا بطل التّالي وهو نقض الغرض والعبث، ثبت المقدّم، وهو وجوب عصمته مطلقاً.

وممّا يعضد هذا الدليل ما قَرَّره العلامة الحليّ (قدس سره) بقوله: «لو لم يكن الإمام معصوما لامتنع الوثوق بوعده ووعيده وأمره ونهيه وصحة كلامه وذلك من أعظم المنفرات عن اتباعه فلا فائدة في نصبه» (11).

الخاتمة:

يتبيّن من مجموع هذه البراهين أنّ العصمة ليست أمرًا تعبديًا محضًا، بل هي ضرورة عقلية تقتضيها حقيقة الإمامة نفسها؛ فإنّ جميع الوظائف التي أُنيطت بالإمام ـ من حفظ الشريعة، وبيان الأحكام، وإقامة العدل، وهداية الأمة، ووجوب الطاعة المطلقة ـ لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان الإمام منزّهًا عن الخطأ والذنب والسهو.

ومن هنا كانت جميع البراهين العقلية، وإن اختلفت في مقدماتها، ترجع إلى أصلٍ واحد، وهو أنّ الحكمة الإلهية تأبى نقض الغرض؛ فالله سبحانه إذا نصب إمامًا لهداية الخلق، امتنع عقلاً أن يختار لذلك المنصب من يجوز عليه الخطأ أو المعصية؛ لأنّ ذلك يفضي إلى إبطال الغاية التي من أجلها شُرّعت الإمامة.

وعليه، فإنّ العصمة ليست فضيلةً زائدةً على الإمامة، بل هي من مقوماتها الذاتية، ولوازمها العقلية التي لا تنفك عنها، كما أنها من أوضح الشواهد على كون الإمامة منصبًا إلهيًا لا مدخل لاختيار الناس فيه.

والحمد لله رب العالمين وصلّى الله، على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.

  1. الاقتصاد ص196، والغيبة ص4، بحار الأنوار ج34 ص70، شرح أصول الكافي ج8 ص348 ↩︎
  2. الخصال ص429. ↩︎
  3. رسائل الشريف المرتضى ج3ص145. ↩︎
  4. النكت الاعتقادية ص 45 – 46. ↩︎
  5. كشف المراد ص493 . ↩︎
  6. الألفين ص426. ↩︎
  7. مفاتيح الغيب ج10 ص144. ↩︎
  8. أوائل المقالات ص 65. ↩︎
  9. كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد ص185. ↩︎
  10. الألفين ص401. ↩︎
  11. الألفين ص240. ↩︎
Scroll to Top