دراسة كلاميّة في برهان المحقّق الطوسيّ على لزوم تباين الفرقة الناجية لسائر الفرق
بقلم: السيد أبي الحسن علي الموسوي
يُعدّ حديث الافتراق من النصوص الحديثية التي رواها الفريقان، وتناولوها بالبحث والاستدلال في مقام تعيين الفرقة الناجية وتمييزها عن سائر الفرق المنتسبة إلى الإسلام. ومفاد الحديث ـ على اختلاف ألفاظه وطرقه ـ الإخبار بافتراق الأمة إلى ثلاثة وسيعين فرقة كلها في النار، مع اختصاص فرقة واحدة منها بالنجاة، الأمر الذي يثير بحثًا كلاميًّا دقيقًا في المعيار الذي تُعرف به هذه الفرقة، والضابط الذي يُميّزها عن سائر الفرق.
ومن هنا، اتّجه النظر الكلامي الإمامي إلى أنّ تعيين الفرقة الناجية لا يصحّ أن يُبتنى على مجرّد الدعوى أو الانتساب، بل لا بدّ فيه من إقامة الحجة على تمايزها الاعتقادي عن سائر الفرق، بما يقتضيه مدلول الحديث من اختصاص إحدى الفرق بالنجاة. وفي هذا السياق، يبرز تقرير المحقّق المتكلم الإمامي النحرير الشيخ نصير الدين الطوسي (قدّس سرّه) بوصفه مسلكًا استدلاليًّا يروم بيان ضرورة المغايرة بين الفرقة الناجية وغيرها، وتوظيف هذا التمايز في تقرير أحقّيّة مذهب الإمامية.
وفي هذا السياق، نقل تقريره تلميذه العلّامة الحلّيّ (قدّس سرّه) في موضعين:
أحدهما: نقله في كتابه «منهاج الكرامة في معرفة الإمامة» في الدلالة على وجوب اتباع مذهب الإمامية بقوله: «ما قاله شيخنا الإمام الأعظم خواجة نصير الملة والحق والدين، محمد بن الحسن الطوسي (قدس الله روحه)، وقد سألته عن المذاهب، فقال: بحثنا عنها وعن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية والباقي في النار، فوجدنا الفرقة الناجية هي فرقة الإمامية، لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد» (1).
والآخر: نقله فخر المحقّقين (قدّس سرّه) ناقلاً عن والده العلّامة الحلّيّ، عن المحقّق الطوسيّ، قال: روى لي والدي (قدس الله سره) عن أفضل المتأخرين خواجة نصير الملة والحق والدين الطوسي (قدس الله سره) قال: «الفرقة الناجية هي الفرقة الإمامية، قال لأني اعتبرت جميع المذاهب ووقفت على أصولها وفروعها فوجدت من عدا الإمامية مشتركين في الأصول المعتبرة في الإيمان وإن اختلفوا في أشياء يتساوى إثباتها ونفيها بالنسبة إلى الإيمان، ثم وجدت طائفة الإمامية هم يخالفون الكل في أصولهم فلو كانت فرقة ممن عداهم ناجية لكان الكل ناجون، فدل على أن الناجي هم الإمامية لا غير» (2).
وهذا التقرير، عند تحليله على مقتضى الصناعة الكلاميّة، يتضمّن البحث في طبيعة الافتراق، ومناط التمايز بين الفرق، ومدى ارتباط هذا التمايز بأصل الإمامة. ومن هنا، يحسن بسطه في وجوهٍ متعدّدة.
الوجه الأوّل: إنّ المباينة المذهبيّة لا تُقاس بمطلق الاختلاف، بل بمرتبة الأصل المختلف فيه:
إنّ الاختلاف بين الفرق الإسلاميّة على أنحاءٍ شتّى؛ فمنه ما يرجع إلى فروع الأحكام، ومنه ما يتعلّق بمسائل كلاميّة جزئيّة، ومنه ما يمسّ الأصول التي يتوقّف عليها تعيين المرجعيّة الدينيّة ومصدر التلقّي في معارف الشريعة. ولا ريب في أنّ مجرّد الاختلاف في مسألةٍ ما لا يوجب امتياز إحدى الطوائف بالنجاة؛ إذ قد يكون قولها حقّاً وقد يكون باطلاً، ولا بدّ في تعيين ذلك من إقامة الحجّة. كما أنّ مخالفة الجمهور لا تُعدّ، بما هي مخالفة، أمارةً مستقلّةً على الإصابة. غير أنّ هذا لا يسوّغ التسوية بين جميع الاختلافات، ولا إلغاء الفوارق بين الأصول الاعتقاديّة؛ فإنّ الاختلاف في تعيين الإمام الذي تجب طاعته والرجوع إليه ليس، بحسب المبنى الإماميّ، نظير الاختلاف في مسألةٍ كلاميّة لا يتوقّف عليها تعيين الحجّة الشرعيّة. ومن هنا تتّضح نكتة استدلال المحقّق الطوسيّ (قدّس سرّه): فإنّه لم يجعل مطلق التفرّد بالمقالة ملاكاً للنجاة، بل بنى تقريره على ملاحظة أصول الفرق، والبحث عن الجهة التي تتمايز بها الإماميّة عن سائر المذاهب في أصل الإمامة. وقد قرّر العلّامة الحلّيّ هذا الوجه ضمن بحثه في وجوب اتّباع مذهب الإماميّة، فجعل نقل كلام أستاذه المحقّق الطوسيّ جزءاً من الاستدلال على تعيّن الفرقة الناجية.
وعليه، فإنّ المباينة المقصودة ليست مجرّد التغاير في بعض الآراء، بل الاختلاف في أصلٍ تتفرّع عليه مسائل تعيين الإمام، ووجوب اتّباعه، وحدود المرجعيّة الدينيّة بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله).
الوجه الثاني: في أنّ مناط المباينة الإماميّة هو أصل الإمامة الشرعيّة:
إنّ الإمامة في المبنى الكلاميّ للإماميّة الاثني عشريّة ليست مجرّد رئاسةٍ سياسيّةٍ تتقوّم بالاختيار البشريّ، ولا منصباً تاريخيّاً ينحصر البحث فيه بتعيين من استولى على الحكم؛ بل هي منصبٌ إلهيّ، يتعلّق به وجوب اتّباع الإمام المنصوص عليه، والرجوع إليه في بيان الشريعة ومعارفها. وبناءً على ذلك، فإنّ الخلاف في الإمامة يتضمّن جهتين أساسيتين:
الأولى: جهة التعيين، وهي البحث في أنّ الإمام هل يُعرف بالنصّ والتعيين الإلهيّ، أم يثبت بطرقٍ أخرى؟
والثانية: جهة المرجعيّة، وهي البحث في أنّ من ثبتت إمامته هل يكون حجّةً واجبة الاتّباع في حدود منصبه الإلهيّ، أم أنّ مرجعيّته لا تتجاوز الرئاسة السياسيّة؟ والإماميّة يذهبون إلى أنّ الإمامة امتدادٌ للهداية الدينيّة بعد النبوّة، من دون أن تستلزم نبوّةً جديدةً أو تشريعاً مستأنفاً؛ فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء، والشريعة التي جاء بها خاتمة الشرائع، والإمام حافظٌ لها ومبيّنٌ لمعالمها وفق ما أودعه الله تعالى فيه من العلم والحجّة.
ومن هنا، فإنّ القول بإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ الأئمّة الأحد عشر من ذريّته وعترته الطاهرة (عليهم السلام)، بالنصّ والتعيين، هو الأصل الذي تتحدّد به هويّة الإماميّة الاثني عشريّة في مقابل سائر الفرق التي لا تقول بهذا التسلسل الإماميّ. وليس المراد أنّ جميع الفرق الأخرى متّفقةٌ في كلّ أصلٍ اعتقاديّ، أو أنّها لا تختلف في مسائل التوحيد والعدل والصفات والقدر؛ فإنّ تاريخ الفرق يشهد بتعدّد مقالاتها وتباين مناهجها. وإنّما المراد في تقرير الطوسيّ أنّها لا تشارك الإماميّة في أصل الإمامة الاثني عشريّة بالنحو الذي يعتقدون ثبوته بالنصّ والحجّة.
وبذلك يكون التمايز الإماميّ تمايزاً في أصل تعيين المرجعيّة الشرعيّة، لا مجرّد مخالفةٍ عارضةٍ في بعض المسائل.
الوجه الثالث: في تقرير العلامة الحلّيّ لمباينة الإماميّة:
إنّ العلّامة الحلّيّ (قدّس سرّه) من أبرز من قرّروا هذا المسلك في الاستدلال على وجوب اتّباع مذهب الإماميّة، ولم يورده على نحو الدعوى المجرّدة، بل ساقه ضمن بحثٍ يراد به بيان وجه امتياز المذهب الإماميّ في أصول الاعتقاد. وتظهر أهميّة تقريره إنّ المباينة، وفق هذا التقرير، ليست علّةً مستقلّةً للنجاة بمعزلٍ عن الدليل، بل هي وصفٌ كاشفٌ عن موضع الاختلاف الذي ينبغي أن يُبحث عن حجّيته. فإذا ثبت أنّ الإمامة منصبٌ إلهيّ، وأنّ الإمام لا يُعيّن إلا بحجّةٍ إلهية، وأنّ النصوص دلّت على إمامة الأئمة الأثني عشر (عليهم السلام)، أمكن الاستناد إلى هذا الأصل في تفسير وجه امتياز الإماميّة عن غيرهم.
ومن ثمّ، فإنّ تقرير العلّامة الحلّيّ (قدس سره) لا يُفهم على أنّ كلّ ما تنفرد به الإماميّة يكون حقّاً لمجرّد الانفراد، بل على أنّ الأصل الذي تنفرد به في الإمامة هو موضع البحث، وأنّ صحّته تُثبت بأدلّتها العقليّة والنقليّة.
الوجه الرابع: في تقرير السيّد شرف الدين الأسترآباديّ لجهة الاختلاف في الإمامة:
وقد قرّر السيّد شرف الدين عليّ الحسينيّ الأسترآباديّ (قدّس سرّه)، في كتابه: «تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة»، عند حديثه عن الفرقة الناجية، أنّ المباينة المقصودة ترتبط بأصول العقائد، وأبرز ما يظهر به الخلاف بين الإماميّة وسائر المذاهب هو الإمامة. حيثُ قال (قدّس سرّه): «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة: منها فرقة ناجية والباقي في النار. فوجدنا الفرقة الناجية هي الإمامية، لأنهم باينوا جميع المذاهب في أصول العقائد، وتفردوا بها، وجميع المذاهب قد اشتركوا فيها، والخلف الظاهر بينهم في الإمامة» (3).
ومفاد هذا التقرير أنّ هذا المعنى يلتقي مع تقرير المحقّق الطوسيّ من جهة أنّ البحث لا ينصبّ على عدد الاختلافات، بل على نوعها وموقعها في البناء العقديّ. فربّ اختلافٍ لا يتجاوز مسألةً جزئيّة، وربّ اختلافٍ يتعلّق بأصلٍ يترتّب عليه تحديد من تجب طاعته والرجوع إليه. وعلى هذا، فإنّ الاستدلال بحديث الافتراق، عند ضمّه إلى أدلّة الإمامة، يوجّه النظر إلى السؤال عن المرجعيّة التي ثبتت حجّيتها بالدليل، لا إلى مجرّد إحصاء الفرق التي خالفت بعضها بعضاً. وبهذا يتحرّر الاستدلال من الخلط بين مجرّد المباينة وبين صحّة المذهب، ويستقيم البحث على أساسٍ كلاميّ واضح: تعيين موضع الافتراق، وإقامة الدليل على الحقّ فيه، ثمّ الاستدلال بذلك على تعيين الفرقة الناجية. والحمد لله ربّ العالمين.




