مصادر علوم أئمّة الهدى (عليهم السلام)

وردنا السؤال:

هل تنحصر مصادر علوم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في العلم الموروث عن النبي، لهم، طرقًا غيبيةً أخرى في تلقّي العلم؟

الإجابة:

إنّ النصوص الواردة عن أئمّة الهدى (عليهم السلام) تكشف بوضوحٍ عن أنّ علومهم الشريفة لا تنحصر في العلم الوراثي الموروث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، بل تدلّ جملةٌ من الآثار على ثبوت أنحاءٍ أخرى من التلقّي والعلم، ممّا يندرج في دائرة العلم اللدني؛ كالإلهام، والتحديث، وإفاضة العلم عليهم، وإلقائه في قلوبهم، وما يختصّ بليلة القدر من نزول الأمر والعلم عليهم، ونحو ذلك من وجوه الإفاضة الإلهية للمعرفة، بما ينسجم مع مقامهم وحجّيتهم الإلهية.

وعليه، يمكن تصنيف مصادر علومهم، بحسب ما يستفاد من مجموع الأخبار، إلى قسمين:

القسم الأوّل: المصادر الوراثيّة:

المرادُ بالعلمِ الوراثيّ: ما تلقّاه أئمّةُ الهدى (عليهم السلام) بطريق الإرث العلميّ المتّصل، ممّا أودعه الله تعالى لدى أنبيائه ورسله من معارف الهداية، وأحكام الشريعة، وسنن الدين، وعلوم التوحيد والمعارف الإلهيّة، ثمّ انتقلت تلك العلوم في سلسلةٍ متّصلةٍ إلى خاتم الأنبياء محمّد (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ خصّ الله تعالى بها أمير المؤمنين عليًّا (عليه السلام)، وتوارثها الأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) إمامًا بعد إمام.

وهذا الأصلُ ثابتٌ في جملةٍ وافرةٍ من نصوص مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، التي دلّت على أنّ علومهم ليست ناشئةً عن الاجتهاد والرأي والاستنباط البشري.

ويمكن بيان ما يدخل تحت هذا القسم، وجوهٍ متعدّدة:

أحدها: ميراث علوم الأنبياء:

ما رواه الصفّار والكليني بالإسناد إلى أبي جعفر الباقر محمد بن علي (عليهما السلام) أنّه قال: «إنّ الله عزّ وجلّ جمع لمحمّد (صلى الله عليه وآله) سنن النبيّين من آدم وهلمّ جرًّا وعلم النبيّين بأسره، وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) صيّر ذلك كلّه عند أمير المؤمنين (عليه السلام)» (1).

وهذا النصّ ظاهرٌ في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد اجتمع عنده ميراث الأنبياء المعرفي، ثم انتقل ذلك الميراث إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومنه إلى الأئمّة من بعده (عليهم السلام).

والثاني: وراثة علم النبيّ (صلى الله عليه وآله):

ما رواه الصفّار والكليني بالإسناد إلى المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، أنّه قال: «إنّ سليمان ورث داود، وإنّ محمّدًا ورث سليمان، وإنّا ورثنا محمّدًا». ثم بيّن (عليه السلام) أنّ وراء هذا الميراث مستوى آخر من العلم بقوله: «ليس هذا هو العلم، إنّ العلم الذي يحدث يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة» (2).

والثالث: الصحف والكتب والمواريث العلميّة:

ومن أوضح النصوص في هذا الباب حديث أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث ذكر (عليه السلام) جملة من المواريث العلمية الموجودة عند أهل البيت (عليهم السلام)، فقال: «إنّ عندنا الجامعة، صحيفة طولها سبعون ذراعًا بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملاء من فلق فيه، وخطّ عليّ بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه…». ثم ذكر (عليه السلام) الجفر، ومصحف فاطمة (عليها السلام)، وختم ببيان سعة علومهم، فقال: «إنّ عندنا لعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة» (3).

وهذا يكشف عن وجود مدوّنات ومواريث علميّة مخصوصة انتقلت إلى الأئمّة (عليهم السلام) عن النبيّ وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهي تمثّل جانبًا مهمًّا من البنية المعرفيّة للإمامة.

القسم الثاني: المصادر اللدنيّة والإمداد الإلهي:

ولا تقف الروايات عند حدود العلم الموروث، بل تثبت للأئمّة (عليهم السلام) نمطًا آخر من المعرفة، وهو ما يمكن التعبير عنه بـ العلم الإلهامي أو اللدني؛ أي العلم الذي يفيضه الله تعالى على حجّته، من غير أن يكون طريقه هو النقل المتعارف بين البشر.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أنّ المراد علم الإمام ليس هو إثبات الاستقلال له، ولا القول بأنّه يعلم الأشياء بذاته وبلا تعليم من الله سبحانه، بل العكس هو المستفاد من الروايات؛ فإنّ علمه ـ بهذا الاعتبار ـ تعليمٌ إلهي وإفاضةٌ ربانيّة، وقد سُئل الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): هل الإمام يعلم الغيب؟ فقال: «لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله» (4).

وهذا النصّ يضع القاعدة الأساس في المسألة: الإمام لا يستقلّ بعلم الغيب، وإنّما يعلمه الله سبحانه ما شاء من الغيب متى شاء.

وتتنوّع طرق هذا الإمداد في الروايات، ومن أبرزها:

الطريق_الأول: الإفاضة في ليلة القدر:

تدلّ طائفة من الروايات على أنّ ما يقدّره الله سبحانه في ليلة القدر من شؤون السنة يُلقى إلى حجّة الله في أرضه.

فقد روى الصفّار بالإسناد إلى هشام، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، في تفسير قوله سبحانه: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أنّها ليلة القدر، وأنّ ما يكون فيها من طاعة أو معصية، وموت أو حياة، يُحدثه الله تعالى، ثم «يُلقيه إلى صاحب الأرض».

ولمّا سُئل عن صاحب الأرض قال: «صاحبكم» (5).

وروى الصفّار كذلك بالإسناد إلى المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: «إذا كانت ليلة القدر كتب الله فيها ما يكون، ثم يُرينيه» (6).

وهذه الروايات تكشف عن ارتباط العلم المتعلّق بشؤون السنة بمقام الحجّة الإلهي في الأرض.

الطريق الثاني: التلقّي بواسطة عمود من نور:

ومن طرق التلقّي التي نصّت عليها الروايات ما عبّرت عنه بـ عمود من نور. فقد روى الصفّار بالإسناد إلى إسحاق الحريري، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: «إنّ لله عمودًا من نور، حجبه الله عن جميع الخلائق، طرفه عند الله، وطرفه الآخر في أذن الإمام، فإذا أراد الله شيئًا أوحاه في أذن الإمام» (7).

وفي رواية أخرى رواها الكليني بالإسناد إلى الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: «فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عمودًا من نور، يُبصر به ما يعمل أهل كلّ بلدة» (8).

والظاهر من مجموع هذه النصوص أنّها تشير إلى وسيلة من وسائل الإمداد والتسديد الإلهي الخاصّ بالإمام، لا إلى طريق بشري مألوف في تحصيل المعرفة.

الطريق الثالث: النقر في الأسماع:

ومن المصطلحات الواردة في روايات الباب: النقر في الأسماع. فقد سأل المفضّل بن عمر أبا الحسن الكاظم موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن قول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع». فقال (عليه السلام): «أما الغابر فما تقدّم من علمنا، وأمّا المزبور فما يأتينا، وأمّا النكت في القلوب فإلهام، وأمّا النقر في الأسماع فأمر الملك» (9).

وروى الكليني بالإسناد إلى الحارث بن المغيرة أنّه سأل الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن علم عالمهم، فقال: «وراثة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن علي (عليه السلام)».فلمّا قال له: إنّا نتحدّث أنّه يُقذف في قلوبكم ويُنكت في آذانكم، أجاب (عليه السلام):«أوَ ذاك» (10).

وهو إقرار واضح بأصل هذه الطرق من التلقّي.

الطريق الرابع: الإلهام:

ومن المصادر التي صرّحت بها الروايات الإلهام، فقد سأل علي بن يقطين الإمام الكاظم موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال: «علم عالمكم، استماع أو إلهام؟» فقال (عليه السلام):«يكون سماعًا، ويكون إلهامًا، ويكونان معًا»(11).

وهذا النصّ من أوضح ما في الباب؛ إذ يثبت صراحةً أنّ تحصيل العلم عند الإمام لا ينحصر في السماع والنقل، بل قد يكون إلهامًا إلهيًّا، وقد يجتمع السماع والإلهام معًا.

وروى الصفّار بالإسناد إلى الحسن بن العباس بن حريش، عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي (عليهما السلام)، في شأن ليلة الجمعة، أنّ الوصيّ والأوصياء «أُلهموا إلهامًا من العلم علمًا جمًّا» (12).

فتؤكّد هذه الروايات أصل الإلهام بوصفه طريقًا من طرق العلم الخاصّ بالأئمّة (عليهم السلام).

الطريق الخامس: التحديث:

ومن خصائص الأئمّة (عليهم السلام) التي نصّت عليها الروايات كونهم محدَّثين. فقد روى الكليني والصدوق بالإسناد إلى محمد بن إسماعيل، عن أبي الحسن الماضي موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنه قال: «الأئمّة علماء، صادقون، مفهَّمون، محدَّثون» (13).

كما روى الكليني بالإسناد إلى عبيد بن زرارة أنّ الإمام الباقر محمد بن علي (عليه السلام) أرسل إلى زرارة أن يُعلم الحكم بن عتيبة: «أنّ أوصياء محمّد (عليهم السلام) محدَّثون» (14).

والتحديث هنا لا يعني النبوّة، ولا يستلزم نزول الشريعة الجديدة، وإنما يدلّ على نوع من التلقّي عن عالم الغيب، يسمع فيه المحدَّث كلامًا من الملك من غير أن يكون نبيًّا.

الطريق السادس: التأييد بروح القدس:

ومن أخصّ ما ورد في هذا الباب ما دلّ على تأييد الأئمّة (عليهم السلام) بـ روح القدس. فقد سأل أبو بصير الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن قوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} فقال (عليه السلام): «خلق من خلق الله (عزّ وجلّ) أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدّده، وهو مع الأئمّة من بعده» (15).

وفي رواية أخرى: «خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد (صلى الله عليه وآله)، وهو مع الأئمّة يسدّدهم» (16).

وهذا يبيّن أنّ من وجوه الإمداد الإلهي للإمام التسديد بروح القدس، بما يحفظ مقام الحجّة الإلهية في مقام البيان والهداية.

وعليه، فليس الصحيح تصوير عقيدة الإمامية في علم الأئمّة (عليهم السلام) على أنّها مجرّد تلقٍّ للنصوص الموروثة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، كما ليس الصحيح حمل العلم اللدني على معنى الاستقلال عن الله سبحانه؛ بل الحقّ ـ وفق هذه النصوص ـ أنّ الإمام وارثٌ لعلوم النبوّة، ومؤيَّدٌ بتأييدٍ إلهي، ومُعلَّمٌ من الله تعالى بما تقتضيه وظيفته في مقام الإمامة والحجّة والهداية.

والحمد لله رب العالمين.

  1. بصائر الدرجات، ج١، ص١٣٧؛ الكافي، ج١، ص٢٢٢. ↩︎
  2. بصائر الدرجات، ج١، ص١٥٨؛ الكافي، ج١، ص٢٢٥. ↩︎
  3. بصائر الدرجات، ج١، ص١٧٢؛ الكافي، ج١، ص٢٣٩؛ الأمالي، ص٧٣٧؛ الخصال، ص٥٧٢. ↩︎
  4. الكافي، ج١، ص٢٥٧. ↩︎
  5. بصائر الدرجات، ج١، ص٢٤١. ↩︎
  6. المصدر نفسه، ج١، ص٢٤٢. ↩︎
  7. المصدر نفسه، ج١، ص٤٥٩. ↩︎
  8. الكافي، ج١، ص٣٨٧. ↩︎
  9. المصدر نفسه، ج١، ص٢٦٤. ↩︎
  10. المصدر نفسه، ج١، ص٢٦٤. ↩︎
  11. بصائر الدرجات، ج١، ص٣٣٧؛ الاختصاص، ص٢٨٦. ↩︎
  12. بصائر الدرجات، ج١، ص١٥١. ↩︎
  13. الكافي، ج١، ص٢٧١؛ عيون أخبار الرضا، ص٢٢. ↩︎
  14. الكافي، ج١، ص٢٧٠. ↩︎
  15. بصائر الدرجات، ج١، ص٤٧٥؛ الكافي، ج١، ص٢٧٣. ↩︎
  16. الكافي، ج١، ص٢٧٣. ↩︎
Scroll to Top