تحريرُ القول في معنى قول الإمام الصادق (عليه السلام): «نحنُ أسماءُ الله الحسنى»

وردنا سؤال:

ما معنى قول الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: «نحنُ واللهِ الأسماءُ الحُسنى التي لا يَقبلُ اللهُ من العبادِ عملاً إلا بمعرفتنا»؟ وما المراد بكون أهل البيت (عليهم السلام) «أسماء الله الحسنى»؟

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

لا بدّ قبل الخوض في بيان المراد من هذا الحديث الشريف من تحرير حقيقة «الاسم»؛ فإنّ فهم هذه الجهة يُعدّ مدخلاً أساسياً لفهم المراد من إطلاق «أسماء الله الحسنى» على أهل البيت (عليهم السلام).

أولاً: حقيقة الاسم وعلاقته بالمسمّى:

الاسم في أصل وضعه مأخوذٌ من معنى السِّمة والعلامة؛ إذ إنّ شأن الاسم أن يكون علامةً على المسمّى ودالّاً عليه، بحيث يُعرف به الشيء ويتميّز عن غيره.

ومن هنا كان البحث في النسبة بين الاسم والمسمّى من المباحث التي اعتنى بها علماء الكلام والحديث، ولا سيّما في مقام تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه.

وقد ورد عن أئمة الهدى (عليهم السلام) ما يرفع الالتباس في هذه المسألة، فقد روى الكليني بالإسناد إلى الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنّه قال: «الاسم غير المسمّى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد» (1).

فالرواية تميّز بوضوح بين الاسم بما هو عنوان ودالّ، وبين المسمّى الذي يدلّ عليه الاسم، وتنهى عن توهّم أنّ الاسم هو ذات المسمّى على نحو الاتّحاد العيني.

وعلى هذا الأساس يظهر وجه مخالفة هذا البيان لما ذهب إليه بعض المتكلّمين من الأشاعرة والماتريدية من القول بأنّ «الاسم هو المسمّى» (2).

ومن هنا، فلا يصحّ حمل الرواية على أنّ ذواتهم المقدسة هي عين ذات الله سبحانه ـ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ـ؛ لأنّ هذا ينافي أصل التوحيد الذي قرّرته نصوص العترة الطاهرة، وإنّما المراد بيان جهةٍ من جهات دلالتهم على الله سبحانه، أو مقامهم في الهداية إليه، أو ما يتعلّق بهم من الأسماء التي اختصّهم الله سبحانه بها.

ثانيا: في بيان معنى قول الإمام «نحنُ أسماءُ الله الحسنى»:

وعند التأمّل في كلمات الأصحاب، يمكن حمل الحديث على جملةٍ من المعاني المتقاربة، وأبرزها ما يأتي:

المعنى الأول: أنّ المراد بالأسماء الحسنى أسماؤهم التي سمّاهم الله تعالى بها:

يمكن أن يكون المراد أنّ أسماء أئمة الهدى (عليهم السلام) من الأسماء التي اصطفاها الله سبحانه لهم، وأنّ إطلاق «الأسماء الحسنى» عليهم باعتبار كون الله سبحانه هو الذي سمّاهم بها وأظهر فضلهم ومقامهم قبل الخلق.

وهذا المعنى تؤيّده جملة من الأخبار التي تحدّثت عن سبق ذكرهم وتسميتهم، ومن ذلك ما ورد في الحديث القدسي الطويل المنقول في فضائل أصحاب الكساء (عليهم السلام)، حيث قال تعالى مخاطباً آدم (عليه السلام): «هؤلاء خمسة شققت لهم أسماءً من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس والجن، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين» (3).

وعلى هذا التفسير، يكون وجه الإضافة إلى الله سبحانه واضحاً؛ فإنّها أسماءٌ شريفة اختارها الله تعالى لهم، وبيّن بها بعض مقاماتهم وخصائصهم، كما أنّها كاشفة عن شرفهم وعلوّ منزلتهم عنده سبحانه.

ولا يلزم من ذلك بحالٍ أن تكون أسماؤهم عين أسماء الله تعالى من جميع الجهات، أو أن يكونوا شركاء له في الذات أو الصفات الإلهية؛ بل غايته أنّ الله سبحانه شرّفهم بأسماءٍ لها مناسبةٌ مع بعض أسمائه وصفاته، وأظهر من خلالهم آثاراً من كمالاته في عالم الخلق.

المعنى الثاني: أنّ المراد بالأسماء الحسنى ذواتهم المقدسة بما هي مظاهر لأسماء الله وصفاته:

وهذا من أعمق الوجوه في تفسير الحديث، وحاصله أنّ أهل البيت (عليهم السلام) لما كانوا أكمل مظاهر الخلق في العلم والطهارة والهداية والعبودية والقرب، كانوا ـ من هذه الجهة ـ أظهرَ مصاديق الآيات الدالّة على الله تعالى، وأجلى مظاهر أسمائه وصفاته في عالم الإمكان.

ومن المعلوم أنّ كل موجودٍ من موجودات هذا العالم فقيرٌ إلى الله تعالى، ودالٌّ على وجوده وقدرته وحكمته؛ قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .

غير أنّ دلالة الموجودات ليست على مرتبة واحدة؛ فكلّما اشتدّ كمال الموجود وطهارته وقربه من الحق سبحانه، كانت دلالته على كمالات الله وآياته أظهر وأتمّ.

ومن هنا كان أئمة الهدى (عليهم السلام) ـ بما ثبت لهم من مقامات الطهارة والعلم والعصمة والهداية ـ أتمَّ مظاهر أسماء الله الحسنى وآياته الكبرى، لا بمعنى أنّهم متّصفون بالصفات الإلهية على نحو الاستقلال، ولا بمعنى حلول الذات الإلهية فيهم، فإنّ كلا الأمرين باطلٌ منافٍ للتوحيد، بل بمعنى أنّ ما أفاضه الله تعالى عليهم من الكمالات كان آيةً على كماله، ودليلاً عليه، ومظهراً من مظاهر فعله وإفاضته.

فهم مظاهر علمه تعالى في مقام التعليم والهداية، ومظاهر رحمته في مقام الرحمة بالخلق، ومظاهر لطفه في مقام اللطف بعباده، ومظاهر هدايته في مقام الدلالة على سبيل الحق.

ويشهد لذلك قوله سبحانه في حقّ النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .

فقد وصف سبحانه نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بالرأفة والرحمة، لا على نحو الاستقلال عن الله تعالى، بل بوصفهما كمالين مخلوقين فائضين من الله سبحانه، ظهرت آثارهما في شخصه المقدّس.

ومن هنا يصحّ وصفهم بأنّهم «الأسماء الحسنى» على نحوٍ يليق بالتوحيد، أي باعتبار كونهم علاماتٍ إلهيةً كبرى، ومظاهرَ كاملةً لآثار أسمائه وصفاته، ودالّين عليه سبحانه بأقوالهم وأفعالهم وسيرتهم ووجودهم.

المعنى الثالث: أنّهم الحافظون لأسماء الله الحسنى والعالمون بها والأدلّاء عليه:

أنّ المراد بكونهم «الأسماء الحسنى» أنّهم أهل المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته، والحافظون لعلومها، والمبيّنون لمعانيها، والأدلّاء على الله سبحانه.

وعليه يكون الكلام جارياً على نحوٍ من التوسّع في التعبير، أي: نحن أهل أسماء الله الحسنى، والعالمون بها، والحافظون لمعانيها، والأدلّاء على طريق معرفتها، أو أنّ معرفتها الصحيحة إنّما تُنال من طريقهم.

وهذا المعنى ينسجم مع ما رواه الكليني بالإسناد إلى الإمام الباقر محمد بن علي (عليهما السلام) في مقام بيان حاجة الإنسان إلى الدليل في طريق الوصول إلى الله تعالى، حيث قال لأبي حمزة الثمالي: «يا أبا حمزة، يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلاً، وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلاً» (4).

فالإنسان كما يحتاج في أسفاره الدنيوية إلى دليلٍ يهديه الطريق، فهو في سفره إلى الله تعالى أحوج إلى دليلٍ يهديه سبيل المعرفة والطاعة والعبودية. ويدل على هذا المعنى ما رواه الصدوق بالإسناد إلى الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): «نحن الأدلاء على الله» (5).

وبهذا يتّضح أيضاً معنى ذيل الرواية: «التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا»؛ فإنّ المراد ليس أنّ الله تعالى محتاج إلى ذواتهم في قبول الأعمال ـ تعالى الله عن الحاجة ـ، ولا أنّهم يملكون لأنفسهم أو لغيرهم استقلالاً في التشريع أو التصرّف الإلهي، وإنما المراد أنّ معرفة الحجج الإلهيين والإذعان بمقامهم الذي نصبه الله لهم جزءٌ من حقيقة الدين والطاعة التي أمر الله بها.

فكما أنّ العمل لا يكون عبادةً صحيحةً مع إنكار أصل التوحيد أو النبوة، كذلك لا تستقيم حقيقة الطاعة لله تعالى مع جحد من جعلهم الله حججاً على عباده وأدلاء على سبيله.

يتحصّل مما تقدّم أنّ قول الإمام الصادق (عليه السلام): «نحن والله الأسماء الحسنى» لا يراد منه ـ والعياذ بالله ـ اتّحاد أئمة الهدى (عليهم السلام) بالله تعالى، ولا حلول الذات الإلهية فيهم، ولا إثبات شيءٍ من خصائص الربوبية لهم على نحو الاستقلال؛ فإنّ هذه المعاني منافية لأصل التوحيد الذي قامت عليه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

وإنّما المراد بيان علوّ مقامهم من جهاتٍ متعدّدة، يجمعها معنى الدلالة على الله تعالى والهداية إليه: فهم أسماؤه من حيث شرف ما سمّاهم الله به، وهم آياته ومظاهره من حيث كون ذواتهم المقدسة من أجلى الدوالّ عليه وعلى كمالاته، وهم أدلّاؤه من حيث إحاطتهم بمعرفته وبيانهم لعباده معالم التوحيد والطريق الموصل إليه.

وعليه، فإنّ قولهم (عليهم السلام): «نحن أسماء الله الحسنى» ينبغي أن يُفهم في إطار عقيدة التوحيد الخالص؛ فهم عباد الله المكرمون، وحججه على خلقه، وأدلّاؤه إلى سبيله، وآياته الكبرى، ومظاهر ما أفاض عليهم من العلم والطهارة والكمال والهداية، لا أربابٌ من دونه، ولا شركاء له في شيء من خصائص ألوهيته وربوبيته.

وبذلك يجتمع مضمون الرواية مع سائر نصوص أئمة الهدى (عليهم السلام) التي تؤكد أنّ الغاية من مقامهم ليست صرف الخلق عن الله تعالى، وإنما الدلالة عليه، وإرشادهم إلى معرفته، وتعليمهم كيفية عبادته، وإيصالهم إلى سبيله؛ فكلّ مقامٍ ثبت لهم فهو من الله وبالله وإليه، وهم في نهاية الأمر عبادٌ له، مكرمون بحجّته، مصطفون لطاعته، دالّون على وحدانيته.

والحمد لله رب العالمين.

  1. الكافي، ج٢، ص١١٤. ↩︎
  2. لتمهيد للباقلاني، ص٢٥٨؛ بحر الكلام للنسفي، ص٣٧ . ↩︎
  3. فرائد السمطين، ج١، ص٣٧. ↩︎
  4. الكافي، ج١، ص١٨٥. ↩︎
  5. التوحيد للصدوق، ص١٥٨. ↩︎
Scroll to Top