تَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ الثَّقَلَيْنِ عَلَى الإِمَامَةِ

مقالة بقلم: السيد أبي الحسن علي الموسوي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يُعَدُّ حديثُ الثقلين من النصوص النبويّة المشهورة، وقد تلقّاه علماء الفريقين بالقبول، وتعدّدت طرقه وألفاظه ومواطن وروده، ومن أشهر ألفاظه قوله (صلّى الله عليه وآله): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ». وقد استند أعلام الإمامية إلى هذا الحديث في إثبات مقام الحجية والمرجعية الدينية لأهل البيت (عليهم السلام)، وما يترتب عليه من استمرار الحجة في الأمة.

وتتلخص جهة الاستدلال في وجوه:

الوجه الأول: دلالة التمسك بالعترة على وجوب الرجوع إليهم:

إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكتفِ ببيان فضل العترة أو الأمر بمودتهم، بل جعل التمسك بهم سببًا للنجاة من الضلال، فقال: «مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا». والتمسك في مقام الهداية ليس مجرد المحبة والتعظيم، وإنما هو الاعتماد والأخذ والاقتداء والرجوع. إذ لا معنى لأن يجعل النبي (صلّى الله عليه وآله) مجرد المحبة طريقًا للسلامة من الضلال؛ فإنّ المحبة القلبية لا تستلزم معرفة الأحكام، ولا تمنع من الخطأ في الاعتقاد والعمل. أما إذا حملنا التمسك على الأخذ عنهم والرجوع إليهم في أمر الدين، استقام سياق الحديث، وثبتت لهم جهة الحجية.

الوجه الثاني: اقتران العترة بالكتاب في مقام الهداية:

إنّ جمع النبي (صلّى الله عليه وآله) بين الكتاب والعترة في مقام واحد، وجعل التمسك بهما مناطًا لعدم الضلال، يكشف عن أنّ للعترة وظيفةً دينيةً تتجاوز مجرد القرابة والمودة. فالقرآن هو أصل الهداية والتشريع، والعترة عدله في مقام التمسك والهداية، ولا يصح عرفًا جعل شخص أو جماعة عدلًا للكتاب في هذا المقام ثم حمل المراد على مجرد المحبة والتوقير؛ إذ لا مناسبة بين المحبة وبين صيانة الأمة عن الضلال.

ومن هنا كان ظاهر الحديث إثبات مرجعية دينية للعترة في فهم الكتاب وبيان أحكام الشريعة، بحيث لا يستغني المكلف عن الرجوع إليهم في مقام الاهتداء.

الوجه الثالث: نفي الافتراق يثبت استمرار الحجية:

ومن أقوى فقرات الحديث قوله (صلّى الله عليه وآله): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ». فالنبي (صلّى الله عليه وآله) لم يجعل اقتران الكتاب بالعترة أمرًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء عصر الصحابة، بل مدّ هذا الاقتران إلى غاية الورود على الحوض. والمراد بنفي الافتراق هنا ليس مجرد عدم الافتراق المكاني، بل عدم الانفكاك في مقام الهداية والحجية؛ إذ لا معنى لإخبار النبي عن عدم افتراقهما في سياقٍ يتعلّق بحفظ الأمة من الضلال إلا بقاء العترة التي يصح التمسك بها ملازمةً للكتاب في وظيفتهما الهداية.

وقد بلغ هذا التقرير عند الشيخ الطوسي حدًّا صريحًا، إذ أفرد في تلخيص الشافي موضعًا بعنوان: «من حديث الثقلين نستنتج ضرورة وجود حجة من أهل البيت كل حين» (1)، وهو عين المدعى الإمامي في استمرار الحجية الإلهية في كل عصر.

الوجه الرابع: دلالة الحديث على عصمة العترة المأمونة من الضلالة:

إذا ضممنا قوله (صلّى الله عليه وآله): «لَنْ تَضِلُّوا» إلى قوله: «لَنْ يَفْتَرِقَا»، ظهر أنّ التمسك بالعترة تمسكٌ مأمون العاقبة، وأنّ المتمسك بهم لا يضل ما دام متمسكًا بالثقلين. وهذا يستلزم أن يكون المرجع الذي جعله النبي (صلّى الله عليه وآله) ضمانًا لعدم الضلال مصونًا عن الخطأ في مقام بيان الدين؛ إذ لو جاز أن يخطئ في بيان حكم الله، لم يكن التمسك بقوله مأمونًا من الضلال، ولما صح ترتيب عدم الضلال على اتباعه.

ومن هنا تتصل دلالة الحديث بمسألة العصمة؛ فالحجية المطلقة في مقام الهداية لا تنسجم مع جواز الخطأ والزلل في نفس المجال الذي ثبتت فيه الحجية.

الوجه الخامس: ثبوت المزية العلمية للعترة:

ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث من قوله (صلّى الله عليه وآله): «لَا تَعَلَّمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ». كما نقل الشيخ المفيد في الإرشاد ضمن خطبة النبي (صلّى الله عليه وآله): «فلا تسبقوهم فتفرّقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم». فإذا ثبتت للعترة جهة الأعلمية، وأُمر المسلمون بالتمسك بهم، ونُفي عن المتمسك بهم الضلال، كان ذلك مؤكدًا لمرجعيتهم العلمية والدينية، لا لمجرد فضلهم وشرف نسبهم.

وقد قرر الشريف المرتضى في الشافي عند البحث عن حديث الثقلين؛ إذ قال في جواب القاضي عبد الجبار: «فإنه دالّ على أنّ إجماع أهل البيت حجّة» (2). ثم بيّن أنّ المراد بالعترة أهل البيت الذين عيّنهم النبي (صلّى الله عليه وآله)، لا مطلق القرابة، وأنّ الحكم بوجوب التمسك والاقتداء متوجه إليهم وإلى من ألحق بهم بالدليل.

وهذا التقرير يكشف عن أنّ الحديث عند الشريف المرتضى لم يكن مجرد نصٍّ في الفضيلة، بل كان مستندًا لإثبات الحجية لأهل البيت في مقام بيان الدين.

وهذه القرائن إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض أفادت انتقال الحديث من دائرة الفضائل إلى دائرة الحجية والمرجعية والهداية الملزمة. ويتحصل مما تقدم أنّ حديث الثقلين يثبت لأهل البيت (عليهم السلام) مقامًا دينيًا مخصوصًا، قوامه وجوب التمسك بهم، وثبوت الحجية لهم، وكون الرجوع إليهم طريقًا للسلامة من الضلال، واستمرار هذا المقام إلى ورود الحوض، مع ثبوت المزية العلمية لهم.

وهذا هو عين ما يعبّر عنه في علم الكلام الإمامي بمقام الإمامة والمرجعية الدينية؛ إذ الإمام ليس مجرد حاكم سياسي، بل هو الحجة على الأمة، والمرجع في الدين، والقائم بحفظ الشريعة وبيانها.

وقد بلغ تقرير الشيخ الطوسي لهذه الملازمة حدّ القول بضرورة وجود حجة من أهل البيت في كل حين، كما أنّ الشريف المرتضى جعل حديث الثقلين شاهدًا على حجية إجماع أهل البيت، وهو ما يكشف عن رسوخ الاستدلال بالحديث في البناء الكلامي الإمامي.

نعم، ينبغي التفريق بين إثبات أصل حجية العترة ومرجعيتها وبين تعيين جميع أفراد الأئمة الاثني عشر بأسمائهم؛ فالأول يستفاد من حديث الثقلين بضم قرائنه، وأما الثاني فتحتاج دلالته إلى ضم النصوص الأخرى الواردة في تعيين الأئمة (عليهم السلام)، كحديث اللوح، وحديث الاثني عشر، والنصوص الخاصة الواردة في كل إمام.

وعليه، فحديث الثقلين نصٌّ تأسيسي في بيان استمرار المرجعية الدينية لأهل البيت (عليهم السلام)، إذ قرنهم النبي (صلّى الله عليه وآله) بالكتاب، وأمر بالتمسك بهما، ورتب على ذلك العصمة من الضلال، ونفى افتراقهما إلى الحوض. ومن ثمّ فإن حمله على مجرد المحبة لا يستوعب مجموع مدلولاته، بخلاف حمله على الحجية والمرجعية والهداية، فإنه يجمع شتات فقراته ويكشف عن موقع العترة في نظام الهداية الإلهية بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

  1. تلخيص الشافي ج2 ص239. ↩︎
  2. الشافي في الإمامة ج3 ص123. ↩︎

Scroll to Top