دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى العمرية

قراءة في الأسباب والدلالات

وردنا سؤال:

لماذا دخل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في الشورى التي جعلها عمر بن الخطاب، مع علمه بما كان يكتنفها من ملابسات، وما أُريد بها من صرف الأمر عنه؟

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ البحث في دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى العمرية لا يستقيم بمعزل عن الظروف السياسية والقهرية التي أحاطت بتلك الشورى؛ إذ إنّ تصويرها على أنّها مجرّد مجلسٍ استشاريٍّ انعقد لاختيار الخليفة من غير إكراهٍ ولا تهديد، يبتني على إغفال جملةٍ من النصوص التاريخية التي تكشف عن أنّها كانت محكومةً بإجراءاتٍ قسريةٍ صارمة، اقترنت بالوعيد والتهديد لمن يخالف المسار الذي رُسم لها (1).

فقد نقلت المصادر أنّ عمر بن الخطاب لم يكتفِ بتعيين أعضاء الشورى الستة، بل وضع لهم ضوابط في كيفية الحسم، وجعل مخالفة بعضهم لما عليه الأكثرية مستوجبةً للقتل؛ فقيل في وصيته: إن اجتمع خمسةٌ على رجلٍ وخالفهم واحدٌ ضُربت عنقه، وإن اتفق أربعةٌ وخالفهم اثنان قُتلا، وإن انقسموا ثلاثةً وثلاثةً جُعل الفصل إلى عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بحكمه، اتُّبع الفريق الذي فيه عبد الرحمن بن عوف، وقُتل الفريق الآخر .

وعلى فرض ثبوت هذه الروايات، فإنّ الشورى لم تكن ـ من حيث آلية انعقادها وإلزام أعضائها ـ شورى مفتوحةً لا يترتب على التخلف عنها أثرٌ قهري، وإنما كانت عمليةً سياسيةً أُحيطت بقيودٍ صارمة، وجُعلت لها آلية حسمٍ مقرونةٌ بالتهديد بالقتل. ومن ثمّ فإنّ مجرّد امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الدخول فيها لم يكن موقفاً محايداً لا تترتب عليه تبعات، بل كان يمكن أن يُتخذ ذريعةً لإخراجه من المشهد بالقوة.

ويؤكد ذلك ما ورد في بعض الأخبار من أنّه لما انتهت الشورى إلى مبايعة عبد الرحمن بن عوف لعثمان، وتوقف أمير المؤمنين (عليه السلام) عن البيعة، قيل له: «بايع، وإلا ضربت عنقك»، وفي خبرٍ آخر: «بايع، وإلا جاهدناك»(2).

وعليه، فإنّ السؤال الصحيح ليس: لماذا شارك أمير المؤمنين (عليه السلام) في شورى يعلم أنّها لن توصله إلى الخلافة؟ بل السؤال الأدق: ما الذي كان يترتب على دخوله فيها، وما الذي كان يترتب على امتناعه عنها، وما هي المصالح الشرعية والحجاجية التي تحققت بدخوله؟

وقد كشفت كلمات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وبيانات أعلام الإمامية عن جملةٍ من الوجوه التي يمكن أن يُفسَّر بها موقف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأبرزها ما يأتي:

الوجه الأول: دفع ضرر القتل والهلاك:

من أقوى الوجوه في تفسير دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى: دفع الضرر المتوجه إليه، وصيانة النفس عن القتل والهلاك؛ فإنّ الامتناع عن الدخول ـ مع ما نقل من جعل التخلف مستوجباً للقتل ـ لم يكن موقفاً مجرداً عن العواقب، بل كان يفضي إلى تعريض الإمام (عليه السلام) للقتل من غير أن يترتب على ذلك حفظٌ للدين أو تحصيلٌ لمصلحةٍ راجحة.

ويشهد لهذا المعنى ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام)، حين سأله محمد بن عرفة عن سبب دخوله في ولاية العهد، فقال: «ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟ فقال: ما حمل جدّي أمير المؤمنين (عليه السلام) على الدخول في الشورى» (3).

وهذا النص يكشف عن وحدةٍ في جهة الإكراه والاضطرار بين الموقفين؛ أي إنّ قبول الإمام الرضا (عليه السلام) ولاية العهد، مع كراهته لها، لم يكن ناشئاً عن الرضا السياسي أو التنازل عن الموقف المبدئي، وإنما كان نتيجةً للاضطرار ودفع الضرر، وهو بعينه ما يُفهم من تشبيه موقفه بموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى.

وقد صرّح الإمام الرضا (عليه السلام) بجهة الاضطرار في غير واحدٍ من النصوص، فقال: «قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خُيِّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل… ودَفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراهٍ وإجبار بعد الإشراف على الهلاك» (4).

كما ورد عنه (عليه السلام) أنّ المأمون هدده بالقتل إن لم يقبل، فقال: «فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل على أنّي لا أولي أحداً، ولا أعزل أحداً، ولا أنقض رسماً ولا سنة، وأكون في الأمر من بعيدٍ مشيراً» (5).

فالملاك في الموردين واحد من حيث القاعدة: أنّ الإقدام على أمرٍ مكروه في نفسه لا يكون منافياً للموقف المبدئي إذا كان ناشئاً عن إكراهٍ أو اضطرارٍ معتبر، وكان تركه موجباً لضررٍ أعظم، ولا سيما إذا لم يكن في القبول تفويتٌ لأصل الدين أو إقرارٌ بالحقانية لمن ليس أهلاً لها.

ومن هنا يتضح أنّ دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى لا يصح حمله على أنّه كان اعترافاً بشرعية الطريق الذي أُنشئت به، كما لا يصح جعله دليلاً على رضاه بنتيجتها؛ إذ إنّ الفعل الاضطراري لا يدل بنفسه على الرضا بمقدماته ولا على تصحيح أصل المسار الذي أُكره عليه الإنسان.

الوجه الثاني: إظهار بطلان دعوى اختصاص النبوة والخلافة بأهل البيت (عليهم السلام):

ومن وجوه الحكمة في دخوله (عليه السلام) أنّه أراد أن يجعل نفس إدخاله في الشورى حجةً على القوم، وأن يكشف بذلك تناقض الدعوى المنسوبة إلى عمر بن الخطاب من أنّ النبوة والخلافة لا تجتمعان في بني هاشم.

فقد نُقل أنّ عمر زعم أنّ الله تعالى لم يكن ليجمع النبوة والخلافة في أهل البيت، وأنّ ذلك منعه من اجتماع الأمرين في بني هاشم. غير أنّ إدخال أمير المؤمنين (عليه السلام) في جملة المرشحين للخلافة كان بنفسه نقضاً عملياً لهذه الدعوى؛ إذ إنّ جعله طرفاً في الشورى اعترافٌ ـ من حيث أصل الإجراء ـ بأنّه داخلٌ في دائرة من يمكن أن تؤول إليه الخلافة، وأنّ كونه من أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يمنع من أهليته لها.

وقد صرّح أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الجهة فيما روي عن العباس بن عبد المطلب، فإنّه كان قد أشار عليه ألّا يدخل في الشورى؛ لأنّهم ـ في ظنه ـ سيخرجونه منها، فلم يجبه الإمام (عليه السلام) بشيء حتى انتهت الشورى إلى عثمان، فقال له العباس: «ألم أقل لك؟» فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا عم، إنّه قد خفي عليك أمرٌ، أما سمعت قوله ـ أي عمر ـ على المنبر: ما كان الله ليجمع لأهل هذا البيت الخلافة والنبوة، فأردت أن يكذّب نفسه بلسانه، فيعلم الناس أنّ قوله بالأمس كان كذباً باطلاً، وأنّا نصلح للخلافة» (6).

فدخول الإمام (عليه السلام) ـ على هذا البيان ـ لم يكن مجرد مشاركةٍ في إجراءٍ سياسي، وإنما كان له بُعدٌ حجاجي؛ إذ أراد (عليه السلام) أن يجعل الخصم نفسه شاهداً على بطلان الدعوى التي استُعملت سابقاً في إقصاء أهل البيت (عليهم السلام).

وهذه نكتةٌ دقيقة؛ فإنّ قبول إدخاله في الشورى من حيث أصلها يُسقط دعوى عدم صلاحية بني هاشم للخلافة، ويجعل وجود أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها نقضاً عملياً للحجة التي أُريد بها إقصاؤه ابتداءً.

الوجه الثالث: إقامة الحجة وإتمام البيان:

ومن أهم الوجوه التي تفسر موقف أمير المؤمنين (عليه السلام): اغتنام الشورى لإقامة الحجة على القوم وإتمام البيان عليهم. فإنّ الإمام (عليه السلام) كان أعلم الناس بما له من النصوص والمناقب والخصائص والسوابق، وكان يعلم أنّ هذا الاجتماع قد جمع عدداً من كبار الصحابة الذين يمكن مخاطبتهم بالحجة وإلزامهم بما ثبت عندهم من فضائله ومناقبه والنصوص الواردة في حقه.

ومن ثمّ لم يكن دخوله في الشورى تسليماً بمبناها، وإنما كان استثماراً للظرف المتاح لإظهار الحق، وذكر ما ثبت له من المناقب والخصائص والنصوص الدالة على إمامته وأحقيته بالأمر.

وقد ورد في الرواية أنّه (عليه السلام) عدّد في ذلك اليوم مناقبه وفضائله، وذكّر القوم بما ورد فيه من النصوص (7).

وهذا المعنى صرّح به أبو الصلاح الحلبي، حيث قال في بيان وجه دخوله (عليه السلام) في الشورى: «وأما دخوله في الشورى، فللضرورة الداعية إلى ذلك؛ إذ كان العاقد لها موجباً على القوم الذين يخبرهم الدخول فيها… وليحتج (عليه السلام) على القوم بمناقبه وذرائعه إلى الخلافة، وما أنزل الله فيه، وذكره رسوله (صلّى الله عليه وآله) من النصوص الدالة على إمامته، وما كان متمكناً لولا دخوله في الشورى من ذلك، فصار دخوله لهذا الوجه واجباً» (8).

وعليه، فدخوله (عليه السلام) قد حقق غرضاً حجاجياً مهماً؛ إذ أتاح له أن يواجه القوم بما عندهم من العلم السابق بمقامه، وأن يجعل الشورى نفسها ميداناً لإقامة الحجة وإتمام البيان.

وهذا من الأساليب المعروفة في مقام الاحتجاج؛ فإنّ الحجة قد لا تتوقف على قبول أصل المجلس أو شرعية جميع مقدماته، بل قد يكون الدخول فيه طريقاً لإظهار الحق وإلزام الخصم بما يسلّم به أو بما قامت عليه الحجة عنده.

الوجه الرابع: إبقاء طريق الوصول إلى الحق مفتوحاً:

ومن الوجوه التي ينبغي ملاحظتها أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع علمه بما يحيط بالشورى من قرائن ترجح صرف الأمر عنه، لم يكن مأموراً بأن يقطع الطريق على كل احتمالٍ للإنصاف والرجوع إلى الحق.

فإنّ قيام الحجة على القوم، وظهور النصوص والفضائل، وإتاحة المجال لأعضاء الشورى للنظر في الأمر، كل ذلك يمكن أن يفضي ـ لو استجابوا للحق ـ إلى رجوعهم عن المسار الذي كانوا عليه، ولا سيما أنّ الإمام (عليه السلام) كان صاحب الحق المدعى، ولم يكن عليه أن يتنازل عن حقه لمجرد غلبة الظن بعدم استجابة القوم.

ولهذا روي عنه (عليه السلام) قوله: «اليوم أُدخلت في بابٍ إن أُنصفت فيه وصلت إلى حقي» (9).

فمفاد هذا الكلام أنّ الدخول في الشورى كان ـ من هذه الجهة ـ طريقاً ممكناً لإظهار استحقاقه، وأنّ الإنصاف لو وقع من القوم لأفضى إلى النتيجة التي يطلبها الإمام (عليه السلام)، وهي الوصول إلى حقه والقيام بأمر الأمة على ما يقتضيه الحق.

ومن هنا يظهر أنّ معرفة الإمام (عليه السلام) بما ستؤول إليه الأمور لا تستلزم ترك كل وسيلةٍ يمكن أن تؤدي إلى إظهار الحق أو تحصيله؛ فإنّ التكليف إنما يدور مدار ما يقتضيه الظرف من حفظ النفس، وإقامة الحجة، وإتمام البيان، واستنفاد الوسائل المشروعة للوصول إلى الحق.

وعليه، فإنّ دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى العمرية لا يصح تفسيره على أنّه إقرارٌ بشرعية المسار الذي انتهت إليه، ولا أنّه اعترافٌ بأحقية من آلت إليه الخلافة؛ بل يمكن فهمه في ضوء مجموع النصوص الواردة في المقام على أنّه موقفٌ مركّبٌ اجتمعت فيه جهاتٌ متعددة:

أولها: دفع ضرر القتل والهلاك في ظرفٍ اقترنت فيه مخالفة الشورى بالتهديد الصريح.

وثانيها: نقض الدعوى التي أُريد بها إقصاء أهل البيت (عليهم السلام)، وإظهار صلاحية أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة من خلال إدخاله أصلاً في دائرة المتنافسين عليها.

وثالثها: إقامة الحجة وإتمام البيان بذكر النصوص والفضائل والمناقب التي تثبت أولويته واستحقاقه للأمر.

ورابعها: استبقاء سبيلٍ ممكن للوصول إلى الحق، فإنّ قيام الحجة لا يتوقف على القطع المسبق باستجابة الخصم، بل يكفي أن يكون الطريق في نفسه مشروعاً ومتاحاً، ما دام لا يستلزم تنازلاً عن أصل الحق ولا إقراراً بالباطل.

وبذلك يتضح أنّ المشاركة في الشورى لا تنافي اعتقاد أمير المؤمنين (عليه السلام) بثبوت حقه الإلهي في الإمامة؛ لأنّ الفرق واضح بين الدخول في إجراءٍ قهريٍّ لاستنقاذ ما يمكن استنقاذه من المصلحة، وبين تصحيح ذلك الإجراء والرضا بنتيجته. ومن ثمّ فإنّ موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) ينبغي أن يُقرأ في سياقه التاريخي والكلامي الصحيح: موقفَ إمامٍ حافظَ على أصل الحق، ودفع عن نفسه وعن الأمة ما أمكن من الضرر، وأقام الحجة، واستثمر كل منفذٍ مشروع لإظهار استحقاقه، من غير أن يجعل اضطراره إلى الدخول في الشورى دليلاً على إمضائه لأساسها أو رضاه بما انتهت إليه.

والحمد لله أولاً وآخراً.

  1. تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٥٨٣؛ تاريخ المدينة، ج ٣، ص ٩٣٠ ↩︎
  2. أنساب الأشراف، ج ٢، ص ٢٦٢؛ ج ٥، ص ٥٠٨. ↩︎
  3. عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج ١، ص ١٥٢. ↩︎
  4. عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج ٢، ص ١٥١. ↩︎
  5. عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج ١، ص ١٥٢. ↩︎
  6. علل الشرائع، ج ١، ص ١٧١. ↩︎
  7. الاحتجاج، ج ١، ص ١٩٣. ↩︎
  8. قريب المعارف، ص ٢٢٥. ↩︎
  9. الفصول المختارة، ص ٧٠. ↩︎

Scroll to Top