دراسة نقدية لروايات محاولة انتحار النبي في كتب العامة

وردنا سؤال:

هل تصح روايات همِّ النبي بالانتحار عند العامة؟

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنَّ مما يستشكله علماءُ الإماميَّة على المخالفين أنّهم نسبوا إلى سيّد الأنبياء، ما تبرأ منه العقول، وتأباه الأصول؛ فزعموا ـ زورًا وبهتانًا ـ أنّه همَّ بالإنتحار وهذا لا يليق بمقامه، ولا ينسجم مع عصمته. وأشهر من نقل هذه الفرية محمّد بن إسماعيل البخاري في كتابه الجامع، باب حديث بدء الوحي، فصوّر حال الفتور تصويرَ من ضاق صدره، واشتدّ حزنه، حتى ادّعى أنّه همَّ أن يتردّى من رؤوس الجبال!

فيا للعجب! كيف تُلصق هذه التهمة بمن عصمه الله من الزلل، ورفعه فوق الخلل؟! وكيف يُظنّ بمن أيّده الله بروحٍ منه، وأقامه حجّةً على خلقه، أن تضعف عزيمته أو تزلّ قدمه؟! كلاّ، بل هو الثابتُ الجنان، الراسخُ الإيمان، الذي ما وهن لما أصابه، ولا استكان لما ناله، ولكنّها أقاويلُ لا تثبت عند ميزان التحقيق، ولا تصمد أمام برهان التدقيق.

ولا مريةَ أنّ في هذه الأحاديث المختلَقة وَهْنًا لمقام فخر الأنبياء، وحطًّا من علوّ شأنه، وتنقّصًا لقدره الذي رفعه الله به فوق الأقدار؛ فهي سهامٌ صُوِّبت إلى ذروة الكمال، وكلماتٌ أُريد بها انتقاصُ من لا يبلغه الانتقاص.

والأعجبُ من ذلك، قيام أقوامٌ يتعصّبون للبخاري، حملهم الهوى على الذبّ عمّا لا يُذبّ عنه، فتكلّفوا تصحيحَ ما لا يصحّ، وتبريرَ ما لا يُتصوَّر، حتى سوّغوا صدورَ الإقدام على الهلكة ممّن هو أعقلُ الخلق وأكملُهم (1).

والإنصافُ يقتضي القول، أنّ جماعةً من علماء العامّة، حين أدركوا سخافة هذه الرواية، طعنوا فيها نصًّا، وأقرّوا بعدم صحّتها وإن وردت في “صحيح البخاريّ”، فجزاهم الله خيرًا على تبرئتهم الساحة النبويّة من هذه الأباطيل، وحفظهم مقام الرسالة من كلّ مساسٍ ومزاعم زائفة.

على كلّ، الرواية وردت في مصادر العامّة من طرقٍ، سنذكرها ونعقّبها بما ذكروه من الطعن بها:

١ ـ طريق محمد بن شهاب الزهريّ:

أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاريّ -واللفظ للبخاريّ-: عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب. وحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال الزهريّ: فأخبرني عروة، عن عائشة أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح… فقال ورقة: ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي (ص): ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، أكون حيَّاً حين يخرجك قومك. فقال رسول الله (ص): أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجلٌ قط بما جئت به إلَّا عُودِي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أنْ توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي (ص) -فيما بلغنا -حزناً غدا منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال، ‌فكلما ‌أوفى ‌بذروة ‌جبل ‌لكي ‌يلقي ‌منه ‌نفسه تبدى له جبريل ..» (2).

أقول: ذكروا أنّ رواية البخاريّ دُمجت بين روايتين:

إحداهما: روايةٌ متصلة الإسناد إلى عائشة، ولم تشتمل على قضية الانتحار.

والأخرى: روايةٌ منقطعة الإسناد، وهي المشتملة على قضية الانتحار.

فما ورد في الرواية: «حتى حزن النبي (ص) -فيما بلغنا -حزناً غدا منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال..» هو من كلام الزهريّ، فهو القائل: «فيما بلغنا»، وهذا يجعله بلاغاً منقطع الإسناد؛ إذ لم يذكر أنّه سمعه من عائشة. قال الحافظ ابن حجر: (ثم إنَّ القائل «فيما بلغنا» هو الزهريُّ، ومعنى الكلام: أنَّ في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله (ص) في هذه القصة. وهو من بلاغات الزهريّ وليس موصولاً، وقال الكرمانيُّ: هذا هو الظاهر) (3).

وقد حكم نُقَّاد الحديث بضعف بلاغات الزهريّ؛ إذ قال يحيى بن سعيد القطان: (مرسل الزهري شرّ من مرسل غيره؛ لأنَّه حافظ، وكلَّما يقدر أنْ يسمّي سَمَّى؛ وإنما يترك من لا يستجيز أنْ يسميه) (4).

وقال الذهبيّ: (مراسيل الزهريّ كالمعضل؛ لأنَّه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أنْ نظن به أنَّه أسقط الصحابيَّ فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله) (5).

٢ ـ طريق عبد الله بن عباس:

قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف، عن ابن عباس: «أنَّ رسول الله (ص) لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أياماً لا يرى جبريل؛ فحزن حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى ثبير مرةً، وإلى حراء مرةً يريد أنْ يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله (ص) كذلك عامداً لبعض تلك الجبال إلى أنْ سمع صوتاً من السماء، فوقف رسول الله (ص) صعقا للصوت، ثم رفع رأسه، فإذا جبريل على كرسيٍّ بين السماء والأرض متربعا عليه يقول: يا محمد، أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل قال: فانصرف رسول الله (ص) وقد أقر الله عينه، وربط جأشه ثم تتابع الوحي بعد وحمي» (6).

أقول: ذكروا أنَّ الإسناد ضعيفٌ، ففيه: (محمد بن عمر الواقديّ) وهو متروكٌ (7)، وكذا شيخه (إبراهيم بن محمد بن أبي موسى) فإنّه مجهولٌ، ولكن ظنَّ الألبانيُّ أنَّ جده أبي موسى محرّف من أبي يحيى، وقال: (فإن كان كذلك فهو: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى -واسمه سمعان – الأسلميّ.. وقيل: إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء [ت184ـ191هـ]، متروكٌ) (8).

٣ ـ طريق عبيد بن عمير بن قتادة الليثيّ:

قال الطبريّ: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني وهب بن كيسان -مولى آل الزبير -قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثيّ: «حدِّثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) من النبوَّة حين جاء جبريل (عليه السلام) .. ولم يكن من خَلْق الله أحدٌ أبغضَ إليّ من شاعرٍ أو مجنونٍ؛ كنت لا أطيق أنْ أنظر إليهما، قال: قلت إنّ الأبْعَدَ -يعني نفسه-لشَاعر أو مجنون، لا تحدّث بها عنّي قريش أبدًا! لأعمدنّ إلى حَالِقٍ من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها فلأستريحنّ. قال: فخرجت أريد ذلك؛ حتى إذا كنت في وسط من الجبل؛ سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمّد، أنتَ رسول الله، وأنا جبريل..» (9).

أقول: ذكروا أنَّ الإسناد ضعيفٌ، ففيه: (عبيد بن عمير) وهو ليس صحابياً، وإنما هو من كبار التابعين وإنْ ولد في عهد النبيِّ (ص)، فهو مرسلٌ، وكذا فيه: (ابن حميد) -واسمه محمد الرازيّ -، وهو ضعيفٌ جداً، كذبه جماعةٌ من الأئمة، منهم أبو زرعة الرازيّ (10).

والحمد لله رب العالمين

  1. فتح الباري ج12 ص318 ↩︎
  2. المصنف ج5 ص216، مسند أحمد ج6 ص233، صحيح البخاريّ ج9 ص38، ج4 ص2185. ↩︎
  3. فتح الباري ج12 ص 359 ↩︎
  4. شرح علل الترمذي ج1 ص284 ↩︎
  5. سير أعلام النبلاء ج5 ص339 ↩︎
  6. الطبقات الكبرى ج1 ص196 ↩︎
  7. تهذيب الكمال ج26 ص 180 ↩︎
  8. سلسلة الأحاديث الضعيفة ج3 ص161 ↩︎
  9. تاريخ الطبري ج1 ص532، 533. ↩︎
  10. سلسلة الأحاديث الضعيفة ج10 ص456 ↩︎
Scroll to Top